على أنّ الشورى أغرت الامّة بعثمان ( 1 ) وبذرت بذورا أجذرت بعد قتله ، فاستغلّها الناكثون والقاسطون والمارقون .
والعجب العجاب أمره بقتل الستّة الذين رشّحهم يوم الشورى لانتخاب أحدهم خليفة عنه ، إذا لم ينفذوا عهده هذا قبل انتهاء اليوم الثالث من وفاته .
وي ، وي ، ما كنّا لنؤمن أو لنجوّز عليه الأمر بقتل هؤلاء الستّة أو واحد منهم بمجرّد تأخّر إنفاذ عهده عن اليوم الثالث من وفاته ! ! !
لكنّ الحقيقة في الواقع أنّه أمر بقتلهم مرتاحا إلى ذلك ، مطمئنّا إليه كلّ الاطمئنان ، وأوعز إلى أبي طلحة الأنصاري وجنوده بهذا الأمر ، وشدّد عليهم وعلى صهيب في إنفاذه .
والمسلمون بمنظر وبمسمع
لا منكر منهم ولا متفجّع
وهذا غاية ما تمادى به الفاروق ومضى فيه على غلوائه ، وقد كان من أعرف الناس بمكانة الستّة من الصحبة ، وشهد يومئذ بأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مات راضيا عنهم « 1 » .
شرح
( 1 ) حيث إنّ عمر قال يوم عهده بالشورى لعثمان : كأ نّي بك وقد قلّدتك قريش هذا الأمر ، فحملت بني اميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا ، واللّه ، لئن فعلوا لتفعلنّ ، وإن فعلت ليفعلنّ : ثمّ أخذ بناصية عثمان فقال : إذا كان ذلك فاذكر قولي فإنّه كائن . انتهى .
قال ابن أبي الحديد بعد نقل هذا الخبر في ص 22 من المجلّد الأوّل من شرح النهج « 2 » : ذكر هذا الخبر كلّه شيخنا أبو عثمان في كتاب السفيانيّة ، وذكره جماعة غيره في فراسة عمر .
قلت : وهذا ممّا يؤيّد نظريّتنا في أنّ عمر إنّما أراد من خلافة عثمان تمهيد الأمر لمعاوية ، علما منه أنّه سيقتل فيفتح لمعاوية طريقا مهيعا يوصله إلى الخلافة ، بل هو مجرّد خلافة عثمان طريق لحب يوصله إلى الخلافة .
هامش
( 1 ) - . الكامل في التاريخ 66 : 3 ، حوادث سنة 23 ؛ تاريخ الطبري 228 : 4 ، حوادث سنة 23 .
( 2 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 186 : 1 .