قلت : من تتبّع ما جاء من الأخبار حول تجسّسه ، رأى من نشاطه في سياسته وعزائمه المبذولة في سبيلها ما هو ماثل بأجلى المظاهر .
وكأ نّه رضي الله عنه كان يرى أنّ الحدود الشرعيّة تدرأ بخطإ الحاكم في طريق إثباتها ؛ ولذلك لم يقم على واحد من هؤلاء المجرمين حدّا ، بل لم يؤذ منهم أحدا . وما ندري كيف رضي أن لا يكون لتجسّسه أثر ، إلّا تمرّد المجرمين في إجرامهم ، بعد أن رأوا هذا التسامح من إمامهم ؟ ! !
المورد 53 : تشريع حدّ لمهور النساء
يجب في المهر أن يكون ممّا يملكه المسلم ، عينا كان أم دينا أم منفعة ، وتقديره راجع إلى الزوجين فيما يتراضيان عليه ، كثيرا كان أم قليلا ، ما لم يخرج بسبب القلّة عن الماليّة كحبّة من طعام مثلا ، نعم يستحبّ في جانب الكثرة أن لا يزيد على مهر السنّة وهو خمسمائة درهم .
وكان عمر رضي الله عنه عزم على النهي عن الغلوّ في مهور النساء ، تسهيلا لأمر التناكح الذي به التناسل ، وبه صون الأحداث عن الحرام ، وأنّ من تزوّج أحرز ثلثي دينه ، فقام في بعض أيّامه خطيبا في هذا المعنى ، فكان ممّا قاله في خطابه : لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أرجعت ذلك منها .
فقامت إليه امرأة فقالت : واللّه ، ما جعل اللّه ذلك لك ، إنّه يقول : «
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
» « 1 » .
هامش
( 1 ) - . النساء 20 : 4 - 21 .