وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها انفراد مؤدّيها جوف الليل في بيته بربّه - عزّ وعلا - يشكو إليه بثّه وحزنه ، ويناجيه بمهمّاته مهمّة مهمّة حتّى يأتي على آخرها ملحّا عليه ، متوسّلا بسعة رحمته إليه ، راجيا لاجئا راغبا منيبا تائبا معترفا لائذا عائذا ، لا يجد ملجأ من اللّه تعالى إلّا إليه ، ولا منجى منه إلّا به .
لهذا ترك اللّه السنن حرّة من قيد الجماعة ؛ ليتزوّدوا فيها من الانفراد باللّه ما أقبلت قلوبهم عليه ، ونشطت أعضاؤهم له ، يستقلّ منهم من يستقلّ ، ويستكثر من يستكثر ؛ فإنّها خير موضوع ، كما جاء في الأثر عن سيّد البشر « 1 » .
أمّا ربطها بالجماعة فيحدّ من هذا النفع ، ويقلّل من جدواه .
أضف إلى هذا أنّ إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها من البركة والشرف بالصلاة فيها ، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على حبّها والنشاط لها ؛ ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والامّهات والأجداد والجدّات ، وتأثيره في شدّ الأبناء إليها شدّا يرسّخها في عقولهم وقلوبهم . وقد سأل عبد اللّه بن مسعود رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أيّما أفضل : الصلاة في بيتي ، أو الصلاة في المسجد ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
« ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد ؟ فلأن اصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن اصلّي في المسجد إلّا أن تكون صلاة مكتوبة » .
رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه ، كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للإمام زكيّالدين عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري « 2 » .
هامش
( 1 ) - . راجع : معاني الأخبار : 332 - 333 ، باب معنى تحيّة المسجد و . . . ، ح 1 ؛ بحار الأنوار 307 : 79 ، كتاب الصلاة ، الباب 4 ، ح 3 ؛ كنز العمّال 131 : 16 ، ح 44158 .
( 2 ) - . مسند أحمد 22 : 7 - 23 ، ح 19029 ؛ الترغيب والترهيب 279 : 1 ، باب الترغيب في صلاة النافلة في البيوت ، ح 4 ؛ سنن ابن ماجة 439 : 1 ، ح 1378 .