على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكلّ إقدام على أمر بين يديه ، فإنّ معنى قوله تعالى : «
لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
» : أن لا تفتئتوا عندهما برأي ما ، حتّى يقضي اللّه على لسان نبيّه ما شاء ، وكأنّ المقترحين المتقدّمين بين يديه ، كانا قد جعلا لأنفسهما وزنا ومقدارا ومدخلا في الشؤون العامّة ، فنبّه اللّه المؤمنين على خطئهما فيما رأياه ، وأوقفهما على حدّهما الذي يجب أن يقفا عليه .
وقوله تعالى : «
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
» نهي عن القول المشعر بأنّ لهم مدخلا في الأمور ، أو وزنا عند اللّه ورسوله ؛ لأنّ من رفع صوته فوق صوت غيره فقد جعل لنفسه اعتبارا خاصّا وصلاحية خاصّة ، وهذا ممّا لا يجوز ولا يحسن من أحد عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن أمعن في قوله تعالى : «
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
» ، وقوله - عزّ من قائل - :
«
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
» علم الحقيقة بكنهها .
ومن علم أنّ اللّه ما أقرّ أبا بكر الصدّيق وعمر الفاروق على تقدّمهما بين يدي اللّه ورسوله في تأمير رجل على قومه ، يعلم أنّ اللّه ورسوله لا يقرّان الناس على تشاورهم في اشتراع شرائعه ونظمه وأحكامه بطريق أحقّ لو كان قومنا يعلمون .
سابعها : أنّ الأذان والإقامة من معدن الفرائض اليوميّة نفسه ، فمنشؤها هو منشأ الفرائض نفسه ، بحكم كلّ نسّابة للألفاظ والمعاني ، خبير بأساليب العظماء وأهدافهم ، وأ نّهما لمن أعظم شعائر اللّه - عزّ وجلّ - امتازت بهما الملّة الإسلاميّة على سائر الملل والأديان ؛ إذ جاءت آخرا ففاقت مفاخرا ، فليمعن معي الممعنون من اولي الألباب بما في فصولهما من بلاغة القول وفصاحته ، وفخامة المعاني وسموّها ، وشرف الأهداف ، وإعلان الحقّ بكلّ صراحة : « اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه » مع الدعوة إليه بكلّ ترغيب فيه وكلّ ثناء عليه « حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل » لا تأخذ الداعي لومة لائم ، ولا سطوة مخالف غاشم .