الذين حملوا التوراة ) الآية ، أي هم في جهلهم
بمضمون حقائق التوراة كالحمار في جهله بما على ظهره
من الاسفار ، وقوله : ( واتبع هواه فمثله
كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه
يلهث ) فإنه شبهه بملازمته واتباعه هواه ،
وقلة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث
على جميع الأحوال . وقوله : ( مثلهم كمثل
الذي استوقد نارا ) الآية فإنه شبه من آتاه الله
تعالى ضربا من الهداية والمعاون فأضاعه ولم
يتوصل به إلى ما رشح له من نعيم الأبد بمن
استوقد نارا في ظلمة ، فلما أضاءت له ضيعها
ونكس فعاد في الظلمة ، وقوله : ( ومثل الذين
كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء
ونداء ) فإنه قصد تشبيه المدعو بالغنم فأجمل
وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ وبسط
الكلام مثل راعى الذين كفروا ، والذين
كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم ، ومثل الغنم
التي لا تسمع إلا دعاء ونداء . وعلى هذا النحو
قوله ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله
كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة
مائة حبة ) ومثله قوله ( مثل ما ينفقون في
هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ) وعلى
هذا النحو ما جاء من أمثاله . والمثال مقابلة شئ بشئ
هو نظيره أو وضع شئ ما ليحتذى به فيما يفعل ،
والمثلة نقمة تنزل بالانسان فيجعل مثالا
يرتدع به غيره وذلك كالنكال ، وجمعه
مثلات ومثلات ، وقد قرئ ( من قبلهم
المثلات ) والمثلات بإسكان الثاء على
التخفيف نحو : عضد وعضد ، وقد أمثل
السلطان فلانا إذا نكل به ، والأمثل يعبر به
عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير ،
وأماثل القوم كناية عن خيارهم ، وعلى هذا
قوله ( إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا
يوما ) وقال ( ويذهبا بطريقتكم المثلى )
أي الأشبه بالفضيلة ، وهي تأنيث الأمثل .
مجد : المجد السعة في الكرم والجلال ،
وقد تقدم الكلام في الكرم ، يقال مجد يمجد
مجدا ومجادة ، وأصل المجد من قولهم مجدت
الإبل إذا حصلت في مرعى كثير واسع ،
وقد أمجدها الراعي ، وتقول العرب في كل
شجر نار واستمجد المرخ والعفار ، وقولهم
في صفة الله تعالى المجيد أي يجرى السعة في بذل
الفضل المختص به وقوله في صفة القرآن : ( ق
والقرآن المجيد ) فوصفه بذلك لكثرة
ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية ،
وعلى هذا وصفه بالكريم بقوله ( إنه لقرآن
كريم ) وعلى نحوه ( بل هو قرآن مجيد )
وقوله ( ذو العرش المجيد ) فوصفه بذلك لسعة
فيضه وكثرة جوده ، وقرئ ( المجيد ) بالكسر
فلجلالته وعظم قدره ، وما أشار إليه النبي
صلى الله عليه وسلم بقوله " ما الكرسي في جنب
العرش إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة " وعلى
المفردات في غريب القرآن — صفحة 463
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٤٦٣