مع مشقة تناله في تعاطيه ، وصارت الكلفة
في التعارف اسما للمشقة ، والتكلف اسم
لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع ، ولذلك صار
التكلف على ضربين ، محمود : وهو ما يتحراه الانسان
ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه
سهلا عليه ويصير كلفا به ومحبا له ، وبهذا
النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات .
والثاني : مذموم وهو ما يتحراه الانسان مراءاة
وإياه عنى بقوله تعالى : ( قل ما أسألكم عليه من
أجر وما أنا من المتكلفين ) وقول النبي صلى الله
عليه وسلم : " أنا وأتقياء أمتي برآء من
التكلف " وقوله : ( لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها ) أي ما يعدونه مشقة فهو سعة في المآل
نحو قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من
حرج ملة أبيكم ) وقوله : ( فعسى أن
تكرهوا شيئا ) الآية .
كلم : الكلم التأثير المدرك بإحدى
الحاستين ، فالكلام مدرك بحاسة السمع ،
والكلم بحاسة البصر ، وكلمته جرحته جراحة
بان تأثيرها ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر :
* والكلم الأصيل كأرعب الكلم *
الكلم الأول جمع كلمة ، والثاني جراحات
والأرعب الأوسع ، وقال آخر :
* وجرح اللسان كجرح اليد *
فالكلام يقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني
التي تحتها مجموعة ، وعند النحويين يقع على الجزء
منه اسما كان أو فعلا أو أداة . وعند كثير من
المتكلمين لا يقع إلا على الجملة المركبة المفيدة
وهو أخص من القول فإن القول يقع عندهم
على المفردات ، والكلمة تقع عندهم على كل
واحد من الأنواع الثلاثة ، وقد قيل بخلاف
ذلك ، قال تعالى : ( كبرت كلمة تخرج من
أفواههم ) وقوله : ( فتلقى آدم من ربه كلمات )
قيل هي قوله : ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) وقال الحسن :
هي قوله : " ألم تخلقني بيدك ؟ ألم تسكني
جنتك ؟ ألم تسجد لي ملائكتك ؟ ألم تسبق
رحمتك غضبك ؟ أرأيت إن تبت أكنت
معيدي إلى الجنة ؟ قال : نعم " وقيل هي
الأمانة المعروضة على السماوات والأرض والجبال
في قوله : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات
والأرض والجبال ) الآية ، وقوله : ( وإذا ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) قيل هي الأشياء
التي امتحن الله إبراهيم بها من ذبح ولده والختان
وغيرهما . وقوله لزكريا : ( إن الله يبشرك
بيحيى مصدقا بكلمة من الله ) قيل هي كلمة
التوحيد وقيل كتاب الله وقيل يعنى به عيسى ،
وتسمية عيسى بكلمة في هذه الآية ، وفى قوله
( وكلمته ألقاها إلى مريم ) لكونه موجدا
بكن المذكور في قوله ( إن مثل عيسى ) الآية
وقيل لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله
تعالى ، وقيل سمى به لما خصه الله تعالى به
في صغره حيث قال وهو في مهده ( إني عبد الله
المفردات في غريب القرآن — صفحة 439
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٤٣٩