للحضور مفردا قال ( عالم الغيب والشهادة )
لكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة
مع المشاهدة أولى ، ويقال للمحضر مشهد
وللمرأة التي يحضرها زوجها مشهد . وجمع مشهد
مشاهد ومنه مشاهد الحج وهي مواطنه الشريفة
التي يحضرها الملائكة والأبرار من الناس .
وقيل مشاهد الحج مواضع المناسك . قال
( ليشهدوا منافع لهم - وليشهد عذابهما -
ما شهدنا مهلك أهله ) أي ما حضرنا ( والذين
لا يشهدون الزور ) أي لا يحضرونه بنفوسهم
ولا بهمهم وإرادتهم . والشهادة قول صادر
عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر .
وقوله ( أشهدوا خلقهم ) يعنى مشاهدة البصر
ثم قال ( ستكتب شهادتهم ) تنبيها أن الشهادة
تكون عن شهود وقوله ( وأنتم تشهدون )
أي تعلمون وقوله ( ما أشهدتهم خلق السماوات )
أي ما جعلتهم ممن اطلعوا ببصيرتهم على خلقها
وقوله ( عالم الغيب والشهادة ) أي ما يغيب
عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدونه
بهما . وشهدت يقال على ضربين : أحدهما جار
مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة ويقال أشهد
بكذا ولا يرضى من الشاهد أن يقول أعلم بل
يحتاج أن يقول أشهد . والثاني يجرى مجرى
القسم فيقول أشهد بالله أن زيدا منطلق فيكون
قسما ، ومنهم من يقول إن قال أشهد ولم يقل بالله
يكون قسما ويجرى علمت مجراه في القسم فيجاب
بجواب القسم نحو قول الشاعر :
* ولقد علمت لتأتين منيتي *
ويقال شاهد وشهيد وشهداء قال ( ولا يأب
الشهداء ) قال ( واستشهدوا شهيدين ) ويقال
شهدت كذا : أي حضرته وشهدت على كذا ،
قال ( شهد عليهم سمعهم ) وقد يعبر بالشهادة
عن الحكم نحو ( وشهد شاهد من أهلها )
وعن الاقرار نحو ( ولم يكن لهم شهداء إلا
أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله )
أن كان ذلك شهادة لنفسه . وقوله ( وما
شهدنا إلا بما علمنا ) أي ما أخبرنا وقال تعالى :
( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) أي مقرين
( لم شهدتم علينا ) وقوله ( شهد الله أنه لا إله
إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) فشهادة الله
تعالى بوحدانيته هي إيجاد ما يدل على وحدانيته
في العالم ، وفى نفوسنا كما قال الشاعر :
ففي كل شئ له آية *
تدل على أنه واحد
قال بعض الحكماء إن الله تعالى لما شهد لنفسه
كان شهادته أن أنطق كل شئ كما نطق
بالشهادة له ، وشهادة الملائكة بذلك هو إظهارهم
أفعالا يؤمرون بها وهي المدلول عليها بقوله
( فالمدبرات أمرا ) وشهادة أولى العلم اطلاعهم
على تلك الحكم وإقرارهم بذلك وهذه الشهادة
تختص بأهل العلم فأما الجهال فمبعدون منها
ولذلك قال في الكفار ( ما أشهدتهم خلق
المفردات في غريب القرآن — صفحة 268
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٢٦٨