اتق الله واحكم بين شعري وشعر ابن زيد ولا تقل : ذاك جاهلي وهذا إسلامي فتحكم بين العصرين ، ولكن احكم بين الشعرين ودع العصبية ( 1 ) . وبعد هذا الاسهاب أطال الله بقاء من يقف على كتابي هذا ، فيوسعني إنصافاً ، أو يتركني والميل عليّ مع هواه كفافاً ، فإنّه كتاب لم أزل على فارط الحال ( 2 ) وتقادم الوقت ملاحظاً له ، عاكفاً الفكر عليه ، منجذب الرأي والروية إليه ، وادّاً أن أجد مُهلاً أضله به ، أو خللاً أرتقه بعمله ، والوقت يزداد بنواديه ضيقاً ، ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقاً ، هذا مع إعظامي له ، واعتصامي بالأسباب المشاطة إليه ( 3 ) فاعتقادي فيه أنّه من أجود ما صنّف في فنه ، وأسبقه لأبناء سنّه ، وأذهبه في طريق البحث والدليل والنظر ، لا الرواية الضعيفة والخبر ، فإنّي تحرّيت فيه التحقيق ، وتنكبت ذلك على طريق ، فإنّ الحق لا يعدو أربع طرق : إما بآي الله سبحانه ، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة المتفق عليها ، أو الاجماع ، أو دليل العقل ، فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحققين الباحثين عن مأخذ الشريعة ، التمسك بدليل العقل فيها ، فإنّها مبقاة عليه ، وموكولة إليه ، فمن هذه الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل الفقه ، فيجب الاعتماد عليها والتمسك بها ، فمن تنكّب عنها عسف وخبط خبط عشواء ، وفارق قوله المذهب ، والله تعالى يمدكم وإيّانا بالتوفيق والتسديد ،
السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 108
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٠٨
هامش
( 1 ) - صدر بيت وعجزه بالحق مؤمل من خلود وهو مطلع قصيدة رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي وهي من محاسن المراثي ، ذكرها المبرد في الكامل 4 : 61 - 64 وذكر الخبر في الأغاني 17 : 12 ، ط الساسي ، وفيه حماد الأرقط بدل خلاد الأرقط وهو الصحيح .
( 2 ) - فارط الحال : سابقه ومتقدمه .
( 3 ) - المشاطة إليه : أي المنتهية إليه ، من انتهاء الشوط إلى الغاية .