واختلفوا في من وصفه الله تعالى بذلك ، فقال كثير من المفسّرين وأهل الحشو : انّ المراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قالوا : وذاك أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مع جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم قد خلا بهم ، فأقبل ابن أم مكتوم ليسلم فأعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه كراهية أن يكره القوم اقباله عليه ، فعاتبه الله على ذلك ( 1 ) . وقيل : انّ ابن أم مكتوم كان مسلماً ، وإنّما كان يخاطب النبيّ وهو لا يعلم أنّ رسول الله مشغول بكلام قوم ، فيقول : يا رسول الله ويكرر به ( 2 ) . وهذا فاسد ، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أجلّ الله قدره عن هذه الصفات ، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب من وصفه بأنّه على خلق عظيم ( 3 ) ، وأنّه لو كان فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حوله ، وكيف يعرض عمّن تقدّم وصفه مع قوله تعالى : * ( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) * ( 4 ) ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله وحسن أخلاقه ، وما خصّه الله به من مكارم الأخلاق ، وحسن الصحبة ، حتى أنّه قيل : انّه لم يصافح أحداً قط فنزع يده من يده ، حتى يكون ذلك الّذي ينزع يده منه ( 5 ) . فمن هذه صفته كيف يقطّب في وجه أعمى جاءه يطلب الإسلام ، على أنّ الأنبياء ( عليهم السلام ) منزّهون عن مثل هذه الأخلاق وعمّا هو دونها ، لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم ، والإصغاء إلى دعائهم ، ولا يجوز مثل هذا على الأنبياء ( عليهم السلام ) من عرف مقدارهم وتبيّن صفتهم ( 6 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 334
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٣٣٤
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - نفس المصدر .
( 3 ) - القلم : 4 .
( 4 ) - الأنعام : 52 .
( 5 ) - قارن 10 : 268 .
( 6 ) - قارن 10 : 269 .