إنّما لم يعاقب الله تعالى الخلق مع كون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بينهم على سلامته مما ينزل بهم ، لأنّه تعالى أرسله رحمة للعالمين ، وذلك يقتضي أن لا يعذّبهم وهو فيهم ( 1 ) . * ( وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * قيل في معناه أقوال : أحدها : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما خرج من مكة بقي فيها بقية من المؤمنين يستغفرون ، وهو قول ابن عباس وعطية وأبي مالك والضحاك واختاره الجبائي ( 2 ) . وقال آخرون : أراد بذلك لا يعذّبهم بعذاب الاستئصال في الدنيا وهم يقولون : يا رب غفرانك ( 3 ) . فصل
قوله تعالى : * ( وما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) * الآية : 34 .
فإن قيل : كيف تجمعون بين الآيتين على قول من لا ينسخ الأولى ؟ فإنّ في الأولى نفى أن يعذّبهم وهم يستغفرون ، وفي الثانية أثبت ذلك ؟ ( 4 ) قلنا عنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أن يكون أراد وما لهم ألا يعذّبهم الله في الآخرة . والثاني : أن يكون يعني بالأول عذاب الاستئصال كما فعل بالأمم الماضية ، وبالثانية أراد عذاب السيف والأسر وغير ذلك .