فإن قيل : كيف قوبل الذين كفروا - وهم المنعوق به - بالناعق ، ولما تقابل المنعوق به بالمنعوق به - في ترتيب الكلام - أو الناعق بالناعق ؟
قيل : للدلالة على تضمين الكلام تشبيه اثنين باثنين ، الداعي للإيمان للمدعو من الكفار بالداعي إلى المراد للمدعوّ من الأنعام ، فلما أريد الإيجاز أبقى ما يدلّ على ما ألقي ، فأبقى في الأول ذكر المدعوّ ، وفي الثاني ذكر الداعي ، ولو رتب على ما قال السائل ، لبطل هذا المعنى .
وزعم أبو عبيدة ، والفراء أنّه يجري مجرى المقلوب الّذي يوضع فيه كلمة مكان كلمة ، كأنّه وضع الناعق مكان المنعوق به ، وأنشد :
كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم ( 1 )
والمعنى كما كان الرجم فريضة الزناء ، وكما يقال : أدخلت القلنسوة في رأسي ، وإنّما هو أدخلت رأسي في القلنسوة ، قال الشاعر :
إنّ سراجا لكريم مفخره * تحلى به العين إذا ما تجهره ( 2 )
والمعنى يحلى بالعين ، فجعله تحلى به العين .
والأقوى أن يكون الأمر على ما بينّاه من المعنى الّذي دعا إلى الخلاف في الحذف ، ليدلّ بما بقي على ما ألقي .
ومعنى : * ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * أي صم عن استماع الحجة ، بكم عن التكلّم بها ، عمي عن الإبصار لها ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي ،
هامش
( 1 ) - اللسان ( صمم ) ، ( سمع ) .
( 2 ) - اللسان ( حلا ) وأمالي الشريف المرتضى 1 : 216 .