وتأويل قوله : * ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) * قد بيّناه فيما مضى ، فقال بعضهم : إنّه أمر للموجود في حال كونه لا قبله ولا بعده ، وانّه مثل قوله : * ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) * ( 1 ) وأنّ دعاء الله إياهم لا يتقدّم خروج القوم من قبورهم ، ولا يتأخّر عنه ، وهذا فاسد لأنّ من شرط حسن الأمر أن يتقدّم المأمور به ، وكذلك القول في الدعاء ، فلا يسلم ما قالوه ، وتأويل ما استشهدوا به على ما بيّناه في الآية سواء في أنّه اخبار عن تسهيل الفعل وسرعة وقوعه وارادته ، لا أن يكون هناك دعاء على الحقيقة ، ثم يلزم على جميع ما ذكروه أن تكون الأشياء مطيعة لله تعالى ، لأنّ الطاعة هي مانعة الأمر من الأشياء التي قالها : كوني بأن فعلت نفسها ، ويلزم أن يكون لها عقل وتمييز وكلّ ذلك فاسد . فأمّا من استدلّ بهذه الآية ونظائرها على أنّ كلام الله قديم من حيث أنّه لو كان محدثاً لاقتضى ألا يحصل إلاّ بكُنْ ، والكلام في كُنْ كالكلام فيه إلى أن ينتهي إلى كن قديمة ، وهو كلام الله القديم ، فهذا باطل لأنّا قد بينّا معنى الآية ، فلا يصحّ ما قالوه . على أنّ الآية تقتضي حدوث كلامه من حيث أخبر أنّ المكونات تكون عقيب كن لأنّ الفاء توجب التعقيب ، فإذا كانت الأشياء محدثة ، فما يتقدّمها بوقت واحد لا يكون إلاّ محدثاً فبطل ما قالوه ، وأيضاً فإنّه قال : * ( إِذَا قَضَى أَمْراً ) * ومعناه خلق ، فبيّن أنّه يخلق الأمر وقوله : * ( كُنْ ) * أمر يوجب أن يكون محدثاً . ودلّت الآية على نفي الولد عن الله من وجهين :
إكمال النقصان من تفسير منتخب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 365
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٣٦٥
هامش
( 1 ) - الروم : 25 .