تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
عليك . وقال للجماعة كلهم : قوموا عنا ، نحن مماليك نور اللين وعبيده ، يفعل بنا ما يريد . فتفرقوا على هذا ، وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر . فلما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له : أنت جاهل قليل المعرفة ، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك ؟ ! وإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه البلاد جعلك أهم الأمور إليه ، وأولاها بالقصد ، ولو قصدك لم ير معك أحداً من هذا العسكر . وكانوا أسلموك إليه . وأما الآن بعد هذا المجلس فيكتبون إليه ويعرفونه قولي فاكتب أنت إليه وارسل إليه في المعنى ، وقل : أي حاجة لك في قصدي أرسل إلي بأحد يأخذني بحبل يضعه في عنقي ، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واشتغل بغيرنا ، والأقدار تفعل عملها . والله لو أراد نور الدين قصبة من قصبة سكر مصر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل . ففعل صلاح الدين ما أشار به ، فترك نور الدين قصده ، واشتغل بغيره ، وكان الأمر كما ظنه نجم الدين أيوب . وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها . ثم توفي نور الدين في سنة تسع وستين وخمس مائة كما تقدم في ترجمته ، وبلغ صلاح الدين أن إنساناً يقال له الكنز ، جمع بأسوان خلقاً عظيماً من السودان ، وزعم أنه يعيد الدولة المصرية ، وانضاف إليه المصريون ، فجهز صلاح الدين إليه جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أخاه الملك العادل ، فساروا والتقوهم وكسروهم ، وذلك في سنة سبعين وخمس مائة . واستقر لصلاح الدين قواعد الملك ، وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح ، إسماعيل في دمشق ، وكان شمس الدين بن الداية بقلعة حلب قد حدثته نفسه بأمور ، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب فوصل إلى ظاهرها ومعه سابق الدين ، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين ، ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين بن الداية وأخيه حسن ، وأودع الثلاثة السجن . وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل ابن الخشاب لفتنة جرت بحلب ، وقيل بل قتل قبل أولاد الداية . ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن الملك الصالح ولد نور الدين صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك ، فتجهز من مصر في جيش كثيف ، وترك بها من يحفظها ، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح ، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة ، وتسلم قلعتها ، واجتمع الناس إليه وفرحوا به ، وأنفق أموالاً عظيمة
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 340 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي