تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
فلم أر فيها أحداً ، وإذا هي كثيرة الخيرات . رأيت فيها مسجداً فدخلته فإذا فيه أربعة نفر ، فسلمت عليهم فردوا علي السلام ، وسألوني عن قصتي فأخبرتهم ، وجلست عندهم بقية يومي ذلك ، فرأيت من توجههم وحسن إقبالهم على الله تعالى أمراً عظيماً . فلما كان وقت العشاء دخل الشيخ حيوة الحراني فقاموا يبادرون إلى السلام عليه ، فتقدم وصلى بهم العشاء ، ثم استرسلوا في الصلاة إلى طلوع الفجر ، فسمعت الشيخ حيوة يناجي ويقول : إلهي ؛ لا أجد لي في سواك مطمعاً ، ولا إلى غيرك منتجعاً ، قد أنخت ببابك ناظراً إلى حجابك ، متى تكشف لي عن تفريج الكربة ، والترقي إلى مجلس القرية ، وقد أوثقت نفسي عن السرور بك فوسمتها بذكرك ، ولي فيها كوامن أفراح ترتاح إليها صبابات أشواقي ، ولي معك أحوال سيكشفها اللقاء يا حبيب التائبين ، ويا سرور العارفين ، ويا قرة عين العابدين ، ويا أنس المنفردين ، ويا حرز اللاجين ويا ظهر المنقطعين ، ويا من حنت إليه قلوب الصديقين ، ويا من أنست به أفئدة المحبين ، وعليه عكفت همة الخاشعين . ثم بكى بكاء شديداً ، ورأيت الأنوار قد حفت بهم وأضاء ذلك المكان كإضاءة القمر ليلة البدر ، ثم خرج الشيخ حيوة من المسجد وهو يقول : سير المحب إلى المحبوب إعجال * والقلب فيه من الأحوال بلبال أطوي المهامة من قفر على قدم * إليك يدفعني سهل وأجبال فقال ولي أولئك النفر : اتبع الشيخ ، فتبعته ، وكانت الأرض برها وبحرها وسهلها وجبلها يطوي تحت أقدامنا طياً . كنت أسمعه كلما خطا خطوة يقول : يا رب حيوة كن لحيوة ، وإذا نحن بحران في أسرع وقت ، فوافينا الناس يصلون بها صلاة الصبح . سكن حران واستوطنها إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى . وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن زكريا المدرس في الشويرا : بضم الشين المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفتح الراء من بلاد اليمن . توفي وله ولد خلفه يفضل عليه في العلم ، خلفه في التدريس اسمه إبراهيم ، تفقه بأبيه المذكور ، وكان يختم في رمضان في كل يوم وليلة . وفيها توفي المهذب بن الدهان عبد الله بن أسعد بن علي الموصلي الفقيه الشافعي الأديب الشاعر النحوي ذو الفنون . توفي بحمص وكان مدرسايها . وفيها توفي الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي المعروف بابن الخراط ، أحد الاعلام ، مؤلف الأحكام الكبرى ، والصغرى ، والجمع بين الصحيحين ،