تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
قال الراوي : وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة ، فأطربهم سماع هذا الكلام ، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل ، وقام بعضهم ومزق ثيابه ، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً . جنداً جنداً ، وسبقت إليهم ركائب التأييد وفداً وفداً ، وشموس الهداية تسري معهم ، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم ، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد ، وعلت بهم الرتب إلى مقام القرب ، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود ، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود . قلت : فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه ، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان ، ولم يتغير عما عليه كان ، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة : لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين ، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين . وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن . شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم الباطن . ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه ، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال : نعم ، فانتهره ونهاه عن هذا القول ، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له : أمحق هذا - أم مبطل ؟ قال : هو محق ملبس عليه ، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده ، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته ، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب ، وهو لا يدري . قال الله تعالى : " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان " ، - الرحمن 20 - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي الطافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده ، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور ، ولا ضرر ، ومن وراء ذلك رداء كبريائه الذي لا سبيل إلى انخراقه . قال الراوي : وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة ، فأطربهم سماع هذا الكلام ، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل ، وقام بعضهم ومزق ثيابه ، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً . قلت : وقوله : ومن وراء ذلك رداء الكبرياء الذي لا سبيل إلى انخراقه - نحو مما أشار إليه الشيخ الكبير العارف بالله السيد الجليل شيخ الشيوخ أبو الغيث ابن جميل - قدس الله روحه - بقوله : كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي ، والأمر العزيزي نقاب لجلال جمال سبحات وجه الله الكريم فرضاً ، لئلا يبرز من ذلك الجلال ذرة ، فلا يبقى أحد من الثقلين ، ولا من سواهما لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً . قلت : قوله : لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً : يظهر فيه لي احتمالان ، الاحتمال الأول : الإشارة إلى الفناء الكلي ، واصطلام الحس والمحسوس ، وفقدان وجدان جميع الوجود لاستيلاء سلمان جلال الجمال في حالة الشهود ، فلا يشعر حينئذ بطاعة ولا معصية ولا مطيع ولا عاصي . والاحتمال الثاني : أن يشهد القدر سابقاً المقدور بسوط - القضاء المبرم ، وقائداً له إلى العلم السابق بزمام الحكم المحكم ، وصار مزعجاً بالخروج إلى حيز الوجود من حيز العدم ، واقعاً - لا محالة - بقدرة الملك القادر وإيجاد خالق كل شيء العزيز الماهر المهروب منه إليه المستعاذ به منه ، جل وعلا وتبارك وتعالى . قلت : فهذا ما اقتصرت عليه من ترجمة قطب الأولياء الأكابر المتوج بتاج الشرف والمفاخر ، شيخ الوجود ومطلع السعود ، محيي الدين عبد القادر ، الذي لا تسع ترجمة محاسنه إلا مجلدات ، على هذه النبذة اليسيرة في نحو تصنيف كراسة صغيرة ، وقد اقتصر الذهبي منها على نحو سبعة أسطر حقيرة . وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور المروزي ، محدث المشرق ، صاحب التصانيف الكثيرة والرحلة الواسعة . سمع بنيساور وهراة وبغداد وأصبهان ودمشق ، وله معجم شيوخه في عشر مجلدات . كان ثقة مكثراً واسع العلم كثير الفضائل ، ظريفاً لطيفاً نبيلاً متجملاً شريفاً . وفي السنة المذكورة توفي القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الأسواني . كان من أهل الفضل والنباهة والرئاسة ، صنف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء ، وله ديوان شعر ، ولأخيه القاضي المهذب ديوان شعر أيضاً ، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما ، ومن نظم القاضي المهذب قوله في قصيدة :