كن عن همومك معرضاً * وكل الأمور إلى القضا
فلربما اتسع المضيق * وربما ضاق الفضا
ولرب أمر متعب * لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء * فلا تكن متعرضا
فلما قرأتها كأنما صب ماء على تلك النار ، فرد ذلك الاحتراق ، وذهبت تلك الأكدار ، وأنشد لسان مقالي في تلك الوقت ما يوافق حالي ، وناديت قلبي :
اسمع وخذ بالإشارة * فيا حسن ما في ضمها من بشارة
ودربي مع ريح القضا حيث دارت * وسلم لسلمى ثم سر حيث سارت
عسى من خدور الحي تبدو بدورها * توسلت حتى أقبلتك ثغورها
ألا يا لقومي أعلموني بحيلة * إلى وصل خودات كعاب جميلة
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة * إذا ما بدت ناديت في كل حيلة
بقطع لأهلي مع فراقي لبلدتي * وذلي وسيحي في البلاد وغربتي
وإيناس نفسي بعد زفري وحضرتي * رحمت على صبري على كل كربة
ثم استمريت في مدة يسيرة بشيء من الأشغال والاشتغال بالعلم ، مع مزج ذلك يتخلل البطالات ، ثم خطر لي عند وقوفي على كلام الفقهاء الذين نحن بصدده هذه الأبيات :
تقضى زماني والقضاء مصرفي * وكان إلى العلم الشريف تشوفي
وما كانت الأيام إلا قلائلاً * به ثم مال القلب نحو التصوف
ومن لم يسل في دهره نحوه يمت * ولم يهو من صاحي جمالاً ويعرف
فإن كنت ذا جهل بمنهج حبه * ومشربه سل عنه أهل التعرف
قلت وفضل التصوف وأهله أولي الصفاء والأنوار والمعارف والأسرار ، والقرب والمنادمات والحضرة والمشاهدات ، لا يسعه مجلدات ، وقد ذكرت نبذة من ذلك في كتاب الأسرار والنظير ، في فضل ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه العزيز ، وفضل الأولياء والناسكين ، والفقراء والمساكين ، وفي كتاب روض الرياحين في حكايات الصالحين ، وفي كتاب نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ أولي المقامات العالية ، قدس الله تعالى أرواحهم ، ونور ضرائحهم ونفعنا ببركاتهم ، وجعلنا معهم في محياهم ومماتهم ، آمين ، ولله در قائلهم في وصف راح الهوى المعمورة من نور الجمال التي سكر بها المحبون أولو الأحوال ، حيث أنشد وقال :
هبنا لأهل الدير كم سكروا بها * وما شربوا منها ، ولكنهم هموا
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 159
مساهمون: خليل المنصور
ص١٥٩