تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فقال : هو مجود ، ولولا أنه اشتغل بالعبادة مع الصوفية لكان في الفقه إماماً وفي الخلاف كاملاً . قال الراوي : وكان حاضراً فقلت له : طريقته هذه غير ملومة ولا مكروهة ، فقال لي : كان الشيخ - يعني جده القاضي حسين الطبري المذكور - يكره ذلك ويقول : اشتغال العالم بالعبادة فرار من العلم فأعجب ، أو قال : أعجب زيد بهذه الحكمة . وقلت : هذا صحيح ، لأن الحرص في العلم يقوم مقام العبادة ، ولو كان فيه بعض قساوة انتهى ، وهو بعض كلامه ، وذكر بعده ما يوافقه من أقوال بعض الفقهاء . قلت ولا شك أن فضل العلم وشرفه معروفان ، ولكن الشأن في إخلاصه والعمل به ، فإذا حصل ذلك فهو النهاية ، ومع هذا فأحوال الناس مختلفة ، وقد قسمتهم في كتاب الإرشاد على خمسة أقسام ، وليس إطلاق الكلام في الندب إلى إحدى الطريقين صحيحاً ، بل لا بد من تفصيل ، فمن كان له نية صحيحة في العلم ونجابة في الفهم ، ولم يغلب عليه أحوال الرجال المشاهدين لنور الجمال ، فلا شك أن هذا يندب له المبادرة وبذل المجهود في الاشتغال بالعلم ، مع مزج ذلك بشيء من العبادة ولزوم سيرة السلف من التعفف والتورع والتقلل من الدنيا ، وإن كان في ذلك ما ذكر من بعض القساوة ، فقد أنصف في ذلك ، وأما من لم يكن كما ذكرنا إما لعدم صلاح النية وإما لعدم القابلية ، وإما لخوف كثرة الآفات في المخالطات ، وإما لإمتلاء القلب بمحبة العبادات واستئناسه بالمناجاة في الخلوات ، وإما لورود الأحوال ووجود المشاهدات ، أعني مشاهدة نور الجمال واستيلاء هيبة العظمة والحلال ، فكل هؤلاء واقفون مع ما ورد على قلوبهم ، لكل قوم مشرب وفي الهوى مذهب ، ولقد أحسن قائلهم . كانت لقلبي أهواء مفرقة * فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلاً بحبك يا ديني ودنياي ولقد وقع بي في ابتداء اشتغالي بالعلم خاطر أن ألقياني في مجاذبتهما : أحدهما يجذبني إلى العلم طلباً لفضله ، والآخر إلى العبادة لوجود حلاوة فيها وسلامة من آفات المخالطات والتشتت في البحث والمجادلات ، واشتعل في باطني مثل النار في القريحة المحرورة للمجاذبة المذكورة ، ثم حصلت والحمد لله إشارة أذهبت عني ذلك الاحتراق ، مردتني إلى التسليم إلى ما سبق به القضاء بتقدير الخلاق ، وذلك أني في حال تلك الشدة لما قلقت ، ولم أستطع نوماً ولا قراراً ، ومعي كتاب أطالعه ليلاً ونهاراً ، فتحته في ذلك الوقت فرأيت فيه ورقة قابلتني أول ما فتحته ولم أرها قبل ذلك مع طول ما طلبته ، وفيها أبيات ما كنت سمعتها ، وهي :