تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
ملوك الهند في بعض الليالي متنكراً ليسمع ما يقول الناس في بلاده ، فرأى ثلاثة جلوساً ، فدنا منهم ، فإذا بهم يتمنى كل واحد منهم شيئاً . فقال أحدهم : أتمنى أن أكون ملكاً ، وقال آخر : أتمنى زوجة الملك أتزوجها ، وقال الثالث : أتمنى فرساً وسيفاً ولباساً للحرب ، لأجاهد في سبيل الله ، فلما أصبح الملك ، استدعي بهم ، فلما حضروا أعطى الذي تمنى الجهاد فرساً جواداً ، وسيفاً ماضياً ولباساً حصيناً ، وقال : هذا ما تمنيت . وأجلس الذي تمنى الملك في مكان ، وفوق رأسه سيف مسلول معلق بشيء واه ، فبقي خائفاً يلتفت إلى السي . فقال له : أراك تلتفت ؟ فقال : أخاف من هذا السيف ، فقال : ما تطلب بالملك ؟ فإن الملك لا يزال خائفاً مثلك الآن ، وأمر بطعام وإدام من جنس واحد ، ملون بألوان مختلفة ، فأحضر ذلك ، وأمر الذي تمنى زوجته أن يأكل من تلك الألوان ، ففعل ، فقال له : كيف رأيت ألوانه ؟ قال : مختلفة ، قال : فكيف طعمه ؟ قال : واحد ، قال : فكذلك النساء ، انتهى معنى الحكاية . قلت : ومثل هذا المقال إنما هو مدافعة وتساهل في التمثيل ، وليس المثل كالمثل ، فإن اللذات بالنساء تتفاوت بحسب تفاوت جمالهن ، وتفاوت منصبهن وشرفهن ، وذلك معروف لا يمكن جحده . ولهذا يقول الرسول - عليه السلام : " ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله " . فمدحه بذلك ، وبين فضله بمخالفة هواه مع شدة ميل الطبع ، وقوة الشهوة المتصفة بهذه الصفة . رجعنا إلى ذكر ابن تاشفين ، وقال بعضهم : كان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر بن عمر الصنهاجي ، وكان أبو بكر المذكور قد حاصر سجلماسة ، وقاتل أهلها أشد القتال ، حتى أخذها ، ثم رتب عليها يوسف بن تاشفين ، وكان من أمره ما كان ، وأول ذلك أن البرير خرج عليهم من جنوب المغرب الملثمون يتقدمهم أبو بكر بن عمر الصنهاجي ، وكان رجلاً ساذجاً خير الطباع مؤثراً لبلاده على بلاد المغرب ، غير ميال إلى الرفاهية ، وكانت ولاة المغرب ضعفاء ، فلم يقدروا يقاومون الملثمين ، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط . فلما حصلت البلاد لأبي بكر المذكور ، سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة ، فبكت ، وقالت : ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب ، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب يوسف بن تاشفين المذكور من أصحابه ، ورجع إلى بلاده ، وكان يوسف رجلاً شجاعاً ، مقداماً عادلاً ، فاختط بالمغرب مدينة مراكش - كما تقدم - وكان