تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
قلت وقد أبدى في الثلاثة الأبيات صنعة حسنة من الجناس ، فالقافية الأولى مركبة من الشهر والأمر لها بالزيارة ، والثانية اسم البلد المعروف ، والثالثة إضافة شهر إلى زور : أي الشهر الموعود فيه بوصلك ، شهر كذب ، ولكن القافية الوسطى مشتملة على الإقواء الذي هو من جملة عيوب القافية ، لأن إعرابه على وفق العربية النصب ، لكونه مفعولاً ثانياً ، على وزن قولك : مشيت إلى الرجل المسمى زيداً ، والقافية التي قبلها ، والتي بعدها مخفوضتان بالأمر للمؤنثة ، والأخيرة بإضافة شهر إليها ، لكني قد وجهت للقافية الوسطى في دفع الإقواء المعاب وجهاً من وجوه الإعراب ، وهو أن يقال : المراد بالمسمى : السمو ، أي : الرفع ، كما قال قبله المعلى ، ويكون قوله بعده شهر زور مخفوضاً ، بدلاً من البلد المخفوض بإلى ، ولو قال : إلى البلد المروي ، أو المشرق لسلم من الإقواء . ومن جلالة جعفر المذكور أن أبا طاهر السلفي كان يفتخر رويته ، مع كونه لقي أعيان ذلك الزمان ، وأخذ عنهم . وفيها وقيل في ثلاث وتسعين توفي يوسف بن تاشفين ، أمير المسلمين ، سلطان المغرب أبو يعقوب البربري الملثم . كان أكبر ملوك الدنيا في عصره ودولته بضعاً وثلاثين سنة ، وكان رجلاً شجاعاً عادلاً عديم الرفاهية ، تشيب العيش على قاعدة البربر ، اختط مراكش ، وأنشأها في برج صغير ، وصيرها دار الإمارة ، وكثرت جيوشه ، وبعد صيته ، وتملك الأندلس ، ودانت له الأمم . وفي آخر أيامه بعث رسولاً إلى العراق يطلب عهداً من المستظهر بالله ، فبعث له بالخلع والتقليد واللواء ، فأقيمت الخطبة العباسية بممالكه ، وكان يميل إلى أهل العلم والدين ، ويكرمهم ، ويصدر عن رأيهم ، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام . ومن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا ، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها ، وتمنى آخر عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين ، وتمنى الآخر زوجة ابن تاشفين المذكور وكانت من أحسن النساء ولها حكم في بلاده فبلغه الخبر ، فأحضرهم ، وأعطى متمني المال ألف دينار ، واستعمل للذي تمنى الاستعمال ، وقال للذي تمنى زوجته : يا جاهل ؛ ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ؟ ثم أرسله إليها ، فأنزلته في خيمة ثلاثة أيام ، تحمل إليه كل يوم طعاماً واحداً ، ثم أحضرته ، وقالت له : ما أكلت في هذه الأيام ؟ قال : طعاماً واحداً ، قالت : كذلك كل النساء شيء واحد ، وأمرت له بمال وكسوة ، وأطلقته . قلت : وقد سمعت ما يناسب هذا عن بعض ملوك الهند ، حكي أنه خرج ملك من
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 125 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي