تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
فقال المأمون : قبح الله من لا أدب له . ثم أخذ القرطاس وكتب ، ولا يدري ماذا كتب ، ثم قال : إذا أمرت أن تترب يعني الكتاب كيف تقول ؟ قال : أترب . قال : فهو ماذا قلت : مترب . قال : فمن الطين ؟ قال : طين . قال : فهو ماذا ؟ قال : مطين : فقال هذه أحسن من الأولى . ثم قال : يا غلام أتربه وطينه ، ثم أرسل بالكتاب إلى وزيره الفضل بن سهيل مع غلامه ، وبعث معه النضر بن شميل ، فلما قرأ الفضل الكتاب قال : يا نضر : إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم ، فما كان السبب فيه ؟ فأخبره ، فقال : لحنت أمير المؤمنين قال : كلا ، إنما لحن هشيم ، فتبع أمير المؤمنين لحانه . فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى ، فأخذ ثمانين ألف درهم بحرف استفيد منه . والبيت الذي استشهد به هو لعبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي العرجي الشاعر المشهور ، وهو من جملة أبيات ، منها قوله : أضاعوني ، وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر وصبر عند معترك المنايا * وقد شرعت أسنتها بنحر وسبب عمله لهذه الأبيات أنه حبسه محمد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك ، وكان والياً على مكة . وأقام في حبسه تسع سنين حتى مات في الحبس ، من أجل أنه كان يشبب بأمه ، ولم يكن ذلك عن محبة له فيها ، بل ليفضح ولدها المذكور ، وعاش ثمانين سنة . وفيها : توفي الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرئ الحافظ الفقيه صاحب التصانيف . وفيها : توفي أزهر بن سعد الباهلي مولاهم البصري . روى الحديث عن حميد الطويل ، وروى عنه أهل العراق ، وكان صحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة ، فلما وليها جاءه مهنئاً ، فحجبه المنصور فترصد له في يوم جلوسه العام وسلم عليه ، فقال له المنصور : ما جاء بك ؟ قال : جئت مهنئاً بالأمر ، فقال المنصور : أعطوه ألف دينار ، وقولوا له : قد سمعت أنك مريض ، فجئت عائداً ، فقال : أعطوه ألف درهم ، وقال : قد قضيت وظيفة العيادة ، فلا تعد إلي فإني قليل الأمراض . فمضى وعاد في قابل ، فحجبه ، فدخل عليه في مثل ذلك المجلس ، فسلم عليه ، فقال له المنصور : ما جاء بك ؟ فقال : سمحت منك دعاء ، فجئت لأتعلمه منك ، فقال له : يا هذا إنه غير مستجاب ، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني وأنت تأتيني . وله وقائع وحكايات مشهورة ، قلت : وهذا من المنصور حلم ، وطول روح ، وهو