تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
وجماعة من أولاده ، وأبو عمر الدوري ، وأبو شعيب السوسي ، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل ، وأبو خلاد سليمان بن خلاد وغيرهم . وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة من القرآن ، وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور خال المهدي ، وإليه كان ينسب كما تقدم ، ثم اتصل بهارون الرشيد ، فجعل ولده المأمون حجره ، . فكان يؤدبه ، وكان ثقة ، وهو أحد الفصحاء العالمين بلغات العرب ، وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد . وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو الخليل بن أحمد كما مر ، ومن كان معاصرهما ، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد ، ويقرآن الناس ، أن الكسائي يؤدب الأمين ، ويأخذ عليه حرف حمزة ، وهو يؤدب المأمون ، ويأخذ عليه حرف أبي عمر ، وقال : وجه إليه يوماً بعض خدمه فأبطأ عليه ، فوجه إليه آخر فكذلك ، قال : فقلت إن هذا الفتى ربما اشتغل بالبطالة . فلما خرج مرت بحلة ، وقومته ، أو كما قال لتدلك عينه من البكاء ، إذ قيل : هذا جعفر بن يحيى قد أقبل ، فأخذ منه منديلاً فمسح عينيه ، وجمع ثيابه عليه ، وقام إلى فراشه ، مد عليه متربعاً ، ثم قبل ليدخل فدخل ، وقمت عن المجلس ، وخفت أن يشكوني إليه ، فألقى منه ما أكره . قال : فأقبل عليه بوجهه ، وحدثه حتى أضحكه ، وضحك إليه . فلما هم بالحركة دعا بدابتة ، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ، ثم سأل عني فجئت ، فقال : خذ على ما بقي من حزبي ، فقلت : يا أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر ، فقال : حاشا لله ، أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا . فكيف بجعفر يطلع على أني محتاج إلى الأدب ؟ يغفر الله لك ، لقد بعد ظنك ، خذ في أمرك ، فقد خطر ببالك ما لا يكون أبداً ، ولو عدت في كل يوم مائة مرة . وحكى المرزباني وغيره قالوا : سأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال : لا ، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين ، فقال : لله درك ، ما وضعت واواً قط موضعاً أحسن من موضعها في لفظها . انتهى . قلت : وإنما حسن وضع الواو في لفظه المذكور ، لأنه لو حذفها منه لاستحق بذلك الأدب من الملوك ، بل القتل ، لأنه حينئذ يكون نافياً لجعله فداء له ، وإثباتها يثبت جعله فداء نفسه الكريمة مقدماً بقاءه على بقاء نفسه عند نزول النوائب ، وذلك من أعظم الآداب وأحسن التخاطب .