تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وفيها توفي الفقيه الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي . وكان زاهداً عابداً مجتهداً محجاجاً غواصاً على المعاني الدقيقة ، اشتغل عليه خلق كثير ، وقال الشافعي في صفة المزني : ناصر مذهبي . وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطريق الشافعي وفتاواه وما ينقله عنه . صنف كتباً كثيرة منها : " الجامع الكبير " ، و " الجامع الصغير " ، و " مختصر المختصر " ، و " المنثور " ، و " المسائل المعتبرة " ، و " الترغيب في العلم " ، " وكتاب الوثائق " ، وغير ذلك . وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب ، وصلى ركعتين شكراً لله تعالى . وقال أبو العباس بن شريح : يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتض . وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي ، وعلى مثاله رتبوا وبكلامه فسروا وشرحوا . ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر ، وجاءها من بغداد ، وكان حنفي المذهب ، توقع الاجتماع بالمزني مئة فلم يتفق ، واجتمعا يوماً في صلاة جنازة فقال القاضي بكار لبعض أصحابه : سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه ، فقال له ذلك الشخص : يا أبا إبراهيم ، قد جاء في الحديث تحريم النبيذ ، وجاء تحليله ، فلم قدمتم التحريم على التحليل ؟ . فقال المزني : لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراماً في الجاهلية ثم حلل ، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالاً ، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم ، فاستحسن ذلك منه وقيل : وهذا من الأدلة القاطعة . وكان في غاية من الورع ، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس ، فقيل له في ذلك فقال : بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان ، والنار لا بطهر ذلك ، وقيل : إنه إذا كان فاته الصلاة في جماعة ، صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استدراكاً لفضيلة الجماعة ، مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة " ، وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة ، وكان مجاب الدعوة ، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه قدم عليه في شيء من الأشياء ، وهو الذي تولى غسل الشافعي ، وقيل : كان معه أيضاً الربيع ، ومناقبه كثيرة . والمزني نسبة إلى مزينة بنت كلب ، وفاته لست بقين من رمضان ، ودفن بالقرب من تربة الشافعي بالقرافة الصغرى رحمة الله عليهما .

سنة خمس وستين ومائتين

فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو حفص الحداد النيسابوري ، شيخ