تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وفيها توفي أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي الحافظ ، الأئمة الأعلام ، في آخر يوم من السنة . رحل وسمع من أبي نعيم والقعنبي وطبقتهما . قال أبو حاتم : لم يخلف بعده مثله علماً وفقهاً وصيانة وصدقاً . وهذا ممن لا يرتاب فيه ، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله . وقال إسحاق بن راهويه : " حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل . وفيها توفي الإمام أبو موسى يونس بن عبد الأعلى المصري الفقيه المقرئ المحدث . روى عن ابن عيينة وابن وهب ، وتفقه على الشافعي ، وأخذ عنه الحديث . وكان الشافعي يصف عقله ويقول : ما رأيت بمصر أعقل منه ، وقرأ القرآن على ورش ، وتصدر للإقراء والفقه ، وكان ورعاً صالحاً عابداً كبير الشأن ، وروى القراءة عنه من الأئمة جماعة منهم محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن جرير الطبري الإمامان الجليلان وغيرهما وكان محدثاً جليلاً من أفاضل أهل زمانه ، وكان من العقلاء ، ذكر ذلك عنه أبو عبد الله القضاعي ، وروى غير القضاعي أن يونس روى عنه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري ، وأبو عبد الرحمن النيسابوري ، وأبو عبد الله بن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث الكبار . وقال قاضي مصر محمد بن الليث : لما عزم القاضي بكار لما ولي ، وقد استشاره في من يشاوره عليك برجلين : أحدهما عاقل وهو يونس بن عبد الأعلى ، فإني سعيت في دمه ، فقدر فحقن دمي . والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم ، فإنه رجل زاهد ، فقال بكار : صف لي الرجلين ، فوصفهما ، فلما دخل مصر ودخل عليه الناس عرفهما فرفهما وقيل : إن موسى المذكور اختص به القاضي بكار ، وكان يتبرك به لزهده ، فقال له يوماً : أبا هارون ، من أين المعيشة ؟ . فقال : من وقف وقفه أبي ، فقال له بكار : يكفيك ، قال : تكفيت به . وقال : قد سألني القاضي فأريد أن أسأله ، قال : سل ، قال : هل ركب القاضي دين بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء ؟ قال : لا . قال : فهل رزق ولداً أحوجه إلى ذلك قال : لا ، ما نكحت قط . قال : فلك عيال كثير ؟ . قال : لا ، قال : فهل أجبرك السلطان وعرض عليك العذاب وخوفك ؟ قال : لا . قال : فضربت آباط الإبل من البصرة لغير حاجة ولا ضرورة . قال : لله علي ، لا دخلت عليك أبداً ، فقال : يا أبا هارون ، أقلني ، قال : أنت بدأت بالمسألة ولو سكت لسكت ، ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها . وقال يونس : قال لي الشافعي : دخلت بغداد ؟ فقلت : لا ، فقال : ما رأيت الدنيا ، ولا رأيت الناس . . وتوفي يونس بمصر ، ودفن بالقرافة .