تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الطب ، وكان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة ، وهو الذي عرب كتاب إقليدس ، ونقله من لغة اليونانيين إلى لغة العرب ، ثم نقحه ثابت بن قرة ، وهذبه كما تقدم في ترجمته ، وكذلك كتاب المجسطي ، وأكثر كتب الحكماء والأطباء كانت بلغة اليونانيين ، فعربت ، وكان حنين المذكور أشد اعتناء بتعريبها من غيره ، وعرب غيره أيضاً بعض الكتب ، ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بتلك الكتب ، لعدم المعرفة بلسان اليونان . لا جرم ، كل كتاب لم يعربوه باق على حالا لا ينتفع به إلا من عرف تلك اللغة ، وكان المأمون مغرياً بتعريبها وتحريرها وإصلاحها ، ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة أهل بيته أيضاً ، لهم بها اعتناء . لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر ، ولحنين المذكور مصنفات في الطب مفيدة . قال ابن خلكان : ورأيت في كتاب أخبار الأطباء أن حنيناً كان في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام ، فيصب على رأسه الماء ، ويخرج فيلتف قطيفة ، ويشرب قدح شراب يعني من شراب الفساق ويأكل كعكة ، ويتكىء حتى ينشف عرقه وربما نام ثم يقوم ويتبخر ، ويقدم له طعام فروج كبير مسمن ، قد طبخ بزبرباج ، ورغيف وزنه مائتا درهم ، فيحس من المرقة ، ويأكل الفروج والخبز وينام . فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً يعني من الشراب المصحح للأبدان الهادم للأديان فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والسفرجل ، وكان ذلك دأبه إلى أن مات .

سنة إحدى وستين ومائتين

فيها توفي الحافظ أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي ، نزيل طرابلس المغرب صاحب التاريخ والجرح والتعديل . وفيها توفي أبو شعيب السوسي صالح بن زياد مقرىء أهل الرقة وعالمهم ، قرأ على يحيى اليزيدي ، وروى عن عبد الله بن نمير وطائفة ، وتصدر للإقراء ، وحمل عنه طائفة . وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير صاحب المقام العالي المشكور والحال الحالي المشهور أبو يزيد المسمى بطيفور بن عيسى ، ذو الفضل السامي الفتى المعروف بالبسطامي ، قيل له : بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟ قال ببطن جائع ، وبدن عار . وقيل : ما أشد ما لقيته في سبيل الله ؟ فقال : لا يمكن وصفه . فقيل : ما أهون ما لقيت نفسك منك . فقال : أما هذا فنعم ، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجب ، فمنعتها الماء سنة . وكان يقول : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهوى ، فلا تعتبروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة . وله مقالات علية ، وكرامات سنية ، ومجاهدات عظيمة ، وشيم كريمة . توفي سنة إحدى ، وقيل أربع وستين ومائتين .