تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
فدخلت فسلمت عليه فرد علي رداً جميلاً وقال : من تكون أعزك الله تعالى ؟ فانتسبت له فقال : رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء ، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة ، ولقد انجيز بهم خلق كثير ، فسقياً لهم ورعياً . فدعوت له وقلت له : أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر فأنشدني : لئن قدمت قبلي رجال ، فطالما * شئت على رسلي فكنت المقدما ولكن هذا الدهر تأتي صروفه * فتبرم منقوضاً وتنقض مبرما ثم نهضت ، فلما قاربت الدهليز قال : يا فتى ، أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج ؟ قلت لا ، قال : إن الإهليلج الذي معك ينفعني ، فابعث لي منه ، فقلت : نعم ، وخرجت متعجباً من وقوفه على خبري مع كتماني . وبعثت إليه مائة إهليلجة ، وقال أبو الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ : وكان لنا أصدقاء مضوا * تفانوا جميعاً فما خلدوا سقاهم جميعاً كؤوس المنون * فمات الصديق ومات العدو قلت : كان المناسب لقوله : " فمات الصديق ومات العدو " أن يذكر الأعداء الأصدقاء في البيت الأول ، فيقال لنا : أصدقاء مضوا مع أعداء ، فيكون قوله في آخر البيت الأخير : فمات الصديق ومات العدو مطابقاً لأول الأول .

سنة ست وخمسين ومائتين

كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته ، وقتل المعتز وظفر بأمه ، فصادر حتى استصفى نعمتها ، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار ، ونفاها إلى مكة ، ثم صادر خاصة المعتز وكتابه ، وقتل بعضهم . فلما دخلت السنة المذكور أقبل موسى بن بغا وعبأ جيشه ، ودخلوا سامراء ملبسين مجمعين على قتل صالح بن وصيف ، وهم يقولون : قتل المعتز وأخذ أموال أمه وأموال الكتاب . وصاحت العامة : يا فرعون ، جاءك موسى . ثم هجم بمن معه على المهتدي وأركبوه فرساً ، وانتهبوا القصر ، ثم أدخلوا المهتدي دار ناجور " بالنون والجيم والراء على ما ضبطه في الأصل المنقول منه " ، وهو يقول : يا موسى ، ويحك ما تريد ؟ فيقول : وتربة المتوكل لا ينالك سوء . ثم حلفوه لا يمالىء صالح ابن وصيف عليهم ، وبايعوه فطلبوا صالحاً ليناً ، ظروه على أفعاله فأخرج ، وردوا المهتدي إلى داره ، وبعد شهر قتل صالح .