تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
الاحتمال الثالث يصبح موضوع الأحكام الإلزاميّة : هو كلّ إقدام ناشئ من غير نفس تلك الأحكام ، وأمّا الإقدام الَّذي ينشأ من نفس الحكم فليس هو الَّذي يحقّق الحكم ، لأنّ كلّ إقدام ينشأ من نفس الحكم يفنيه ( لا ضرر ) ، إذ المفروض أنّ موضوع ( لا ضرر ) هو العدم ولو الناشئ من نفس ( لا ضرر ) ، ولا محالة يكون ( لا ضرر ) مفنيا لإقدام ينشأ من الحكم الَّذي يفنيه . وأمّا إن أخذنا بالاحتمال الأوّل فأيضا لا يلزم الدور ، فإنّنا نقول في جانب الإقدام ووجوب الغسل ما كنّا نقوله في جانب عدم الإقدام وجريان ( لا ضرر ) في الاحتمال الثالث ، أي : كما أنّه كنّا نقول : إنّ موضوع ( لا ضرر ) قضية شرطيّة مقدّمها ثبوت ( لا ضرر ) وتاليها عدم الإقدام ، نقول هنا : إنّ موضوع وجوب الغسل هو قضية شرطيّة مقدّمها وجوب الغسل وتاليها الإقدام . إن قلت : هذا معناه أنّ موضوع ( لا ضرر ) هو عدم الإقدام بغضّ النّظر عن ( لا ضرر ) ، ولكن موضوع وجوب الغسل ليس هو الإقدام بغضّ النّظر عن وجوب الغسل ، بل موضوعه هو ( الإقدام لو وجب الغسل ) فما معنى هذا التفكيك ؟ قلت : إنّ تقيّد ( لا ضرر ) بعدم الإقدام كان مستظهرا من نفس ( لا ضرر ) ، فيستظهر منه بتقريب يأتي : أنّ موضوعه هو ( عدم الإقدام لولا لا ضرر ) ، وأمّا تقيّد وجوب الغسل بالإقدام فليس بالاستظهار العرفي منه حتّى يقال مثلا : يجب أن يستظهر من كليهما بشكل واحد ، وإنّما هو بحكم العقل ، باعتبار أنّ العامّ لا بدّ من تقيّده بنقيض عنوان المخصّص أو الحاكم مثلا ، ومن المعلوم أنّه لا بدّ في التخصيص من إخراج العنوان المأخوذ في المخصّص ، ولا بدّ من حساب ذلك بالتدقيق العقلي ، ولا يرتبط ذلك باستظهار من نفس دليل العامّ . وعليه نقول : إنّ العنوان المأخوذ في المخصّص كان هو عدم الإقدام لولا ( لا ضرر ) فيبقى تحت العامّ نقيض ذلك وهو الإقدام لولا ( لا ضرر ) ، وهذا مساوق لقولنا : ( الإقدام لو وجب الغسل ) فإنّ قولنا : ( لولا لا ضرر ) يساوق قولنا : ( لو وجب الغسل ) ، إذ لو لم يجر ( لا ضرر ) وجب الغسل لا محالة . بقي الكلام في أنّه هل نستظهر من ( لا ضرر ) كون عدم الإقدام المأخوذ فيه بالنحو المذكور في الاحتمال الأوّل ، أي : عدم الإقدام لولا لا ضرر ، أو نستظهر منه كونه بالنحو المذكور في الاحتمال الثالث ، أي : لو جرى لا ضرر لما ثبت إقدام ؟ الصحيح : هو الأوّل ، بيان ذلك : أنّ قيد عدم الإقدام أخذ من قرينة متّصلة وهي