تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
الثاني : أنّ ما نحن فيه داخل في تعارض الضررين ، فإنّ اللزوم وإن كان ضرريّا على المغبون ، لكن الفسخ - أيضا - ضرر على الغابن ، فإنّ الغابن قد أصبح مالكا لهذا الشيء الَّذي يساوي دينارين واشتراه بدينار مثلا ، فبالفسخ يتضرّر بمقدار دينار واحد . والجواب : إنكار الصغرى في المقام ، بيانه : أنّ هذا المال للغابن كان مثقلا في نظر العقلاء من أوّل الأمر بحقّ الاسترداد للغابن ، فإذا استردّه المغبون لا يصدق الضرر بشأن الغابن ، ولذا لا يستشكل العرف في صحّة نفي اللزوم هنا بملاك نفى الضرر ، لا من باب تقديم ضرر على ضرر . الثالث : أنّ الغابن كما يملَّك عين ماله في مقابل مال آخر ، كذلك يملَّك على ما مضى التزامه في مقابل التزام آخر ، فإذا ملَّك التزام نفسه للمغبون من دون أن يتملَّك هو في مقابل ذلك التزام المغبون كان ذلك ضررا عليه ، والمفروض في المقام أنّ الغابن ليس له الخيار ، وهذا يعني : أنّ المغبون ملك التزام الغابن من دون تملَّك الغابن بالمقابل التزامه ، وهذا هو الضرر . والجواب : أنّ هذا إنّما يكون ضررا في طول ثبوت ارتكاز عقلائي لحقّ للغابن ، وهو حقّ أن لا يخرج التزامه من ملكه إلَّا ويعطى في مقابله التزام الآخر ، وأن لا يتملَّك عليه التزامه مجّانا ، ومثل هذا الارتكاز غير موجود ، فلم يثبت له مثل هذا الحقّ حتّى يكون سلبه عنه نقصا وضررا عليه . نعم ، لو أسقط المغبون حقّه والتزم بالبيع بعد علمه بالغبن ثبت مثل هذا الارتكاز ، وتمّ هذا الإشكال . وهذا هو الوجه الآخر لسقوط الخيار بالإسقاط الَّذي كنّا قد وعدنا ذكره [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] كأنّ مقصود أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه : أنّ الوجه الثاني لقابليّة حقّ خيار الغبن للإسقاط هو أنّه بمجرّد أن يرضى بعد العلم بالغبن بهذا البيع الغبني يصبح في ارتكاز العرف الالتزامان متقابلين ، أي : كما أنّ المغبون ملك التزام الغابن فليس للغابن حقّ سحب الالتزام ، كذلك الغابن ملك التزام المغبون فليس للمغبون حقّ سحب الالتزام ، وهذا معناه سقوط الخيار في نظر العرف . وهذا الأمر الارتكازي لم يرد عليه ردع ، وحديث ( لا ضرر ) ليس رادعا ، لما عرفت من أنّ ضرر المغبون قد زاحمه ضرر الغابن بتملَّك التزامه من قبل المغبون من دون أن يتملَّك هو التزام المغبون ، إذن فلا تجري في المقام قاعدة ( لا ضرر ) ، كي تكون ردعا عمّا عرفته من الارتكاز . أقول : وبالإمكان أن يدّعي : أنّ الارتكاز العقلائي يحكم بنحو العموم بأنّ الحقّ قابل للإسقاط ، وهذا بعد التنزّل عمّا قلناه من أنّ قوام حقّيّة الحقّ بقابليّته للإسقاط .