في البيع ، أي : أنّ كلّ واحد منهما في البيع ملَّك التزامه للآخر ، فيمكن لكلّ واحد منهما إرجاع التزام صاحبه إليه فيفسخ . هذا كلَّه شيء من مختاراتنا في فقه المعاملات ، ونأخذه هنا مصادرة فنقول : إنّ المغبون ملَّك التزامه للغابن جهلا منه بالغبن ، وبما أنّ ذلك ضرريّ عليه لا يمضيه الشارع ، ومعنى ذلك بقاء هذا الالتزام في ملك المغبون ، وهذا هو الجواز الحقّي . نعم هذا المقدار من البيان لا يثبت صحّة إسقاط هذا الخيار ، وإنّما يثبت حقّيّة هذا الخيار ، وأمّا ثبوت هذا الأثر له وهو أثر الإسقاط ، فإنّما يكون بأحد أمرين : أحدهما : ما ذكرناه من أنّ الضرر الَّذي يقدم عليه لا ينفي بالقاعدة ، ثانيهما : ما سوف يأتي بعد هذا إن شاء اللَّه .
الإيراد الخامس : أنّ الفقهاء حكموا بإرث هذا الخيار ، ويقال أيضا : إنّ ذلك من آثار الجواز الحقّي ، و ( لا ضرر ) لا يثبت ذلك ، وإنّما يثبّت الجامع بين الجواز الحقّي والجواز الحكمي ، وقد ظهر جواب ذلك ممّا تقدّم من الجواب عن الإيراد الرابع فإنّنا نقول :
أوّلا : إنّ الحقّ إنّما يورث لكونه مالا عرفا لمقابلته بالمال ، والخيار في المقام - أيضا - يقابل بالمال بعد ما أثبتناه من قابليّته للسقوط .
وثانيا : أنّه لو سلَّمنا أنّ حكم الإرث ثابت على عنوان الحقّ بما هو حقّ ، قلنا :
إنّه قد مضى بيان كون الجواز في المقام حقّيّا لا حكميّا ، لكونه جوازا في مقابل اللزوم الحقّيّ بالبيان الَّذي عرفت ، فيورث .
الإيراد السادس : أنّه لما ذا لا نثبت ب ( لا ضرر ) الأرش ونثبت به الخيار ، فإنّه كما يرتفع الضرر بالخيار كذلك يرتفع بالأرش ؟ والجواب : أنّ الخيار نفي للضرر حدوثا أو بقاء ، كما عرفت ، وأمّا الأرش فهو تدارك له ، كما لا يخفى ، و ( لا ضرر ) يدلّ على نفي الضرر دون تداركه .
الإيراد السابع : أنّ حيثيّة ضرر المغبون في المقام تعارض بحيثيّة أخرى وبالتالي لا يمكن نفيه ب ( لا ضرر ) ، وذلك بأحد تقريبات ثلاثة :
الأوّل : أنّ الخيار وإن كان فيه دفع للضرر عن المغبون ، لكنّه على خلاف المنّة على الغابن ، وهو حكم امتناني يشترط فيه عدم كونه خلاف المنّة .
وفيه : ما سيأتي - إن شاء اللَّه - من بيان إنكار الكبرى ، وأنّ ( لا ضرر ) لا يشترط فيه عدم المخالفة للمنّة على غير من يجري في حقّه ما لم يصل إلى مرتبة الضرر عليه .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 577
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٧٧