الإيراد الثاني : أنّه لا يمكن تطبيق قاعدة ( لا ضرر ) في المقام ، فإنّه إنّما يندفع بها حدوث الضرر ، والحدوث قد تحقّق حتما بصحّة البيع ، وإنّما الكلام في البقاء ، وقاعدة ( لا ضرر ) لا تنفي الوجود البقائي بعد فرض حدوث الشيء .
وهذا الإيراد قد عرفت حاله بحسب تفرّعه على المباني ، أي : عرفت أنّه إنّما يتّجه بناء على استظهار كون المنفي حدوث الشيء ، واستظهار كون مصبّ النفي الضرر الخارجي ، أو كونه هو الحكم ، لكن بشرط أن يرى اللزوم والصحّة حكما واحدا .
والجواب عن هذا الإيراد : هو أنّ الصحّة بما هي ليست ضرريّة ، فإنّ الضرر ليس عبارة عن مجرّد النقص ، وإنّما هو النقص الموجب للضيق النفسيّ ، والحرج الباطني الَّذي يكون في خصوص ما إذا فرض عدم تمكَّن الشخص من التخلَّص عن النقص المتوجّه إليه .
والخلاصة : أنّ ( لا ضرر ) - على ما سوف يأتي تفصيله إن شاء اللَّه - لا يشمل النقص الَّذي يكون تحت اختيار الشخص ، ويمكنه رفعه وإزالته . ومبنيّا عليه نقول في المقام : إنّ الصحّة بما هي ليست ضرريّة ، فإنّ الضرر إنّما يتحقّق بعد فرض ترتّب اللزوم على العقد الصحيح ، إذ لو فرضت الصحّة وحدها كانت إزالة النقص تحت سلطان المغبون ، وذلك بأن يفسخ المعاملة ، فالضرر إنّما ينشأ من الحكم الأخير ، وهو الحكم باللزوم ، ومهما ترتّب ضرر على أحكام مترتّبة بحيث لا يتحقّق الضرر إلَّا بعد ترتّب كلّ تلك الأحكام الطوليّة ، فلا محالة إنّما يرفع به الحكم الأخير دون ما قبله تقديرا للضرورة بقدرها . نعم لو فرض أنّه على تقدير الصحّة لا مناص من الحكم باللزوم ، تكون الصحّة ضرريّة لا محالة ، وتنطبق عليها قاعدة ( لا ضرر ) ، فتطبيقها على الحكم باللزوم حاكم على تطبيقها على الحكم بالصحّة . وبهذا يرتفع الإشكال سواء فرض بهذه الصياغة ، أو بالصياغة التي مضت عن المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه .
الإيراد الثالث : أنّ ( لا ضرر ) يدلّ على نفي الضرر ، لا على تدارك الضرر ، فلا بدّ أن يدلّ هنا على بطلان البيع ، لا على ثبوت الخيار بعد فرض صحّته ، فإنّ هذا تدارك للضرر .
ويرد عليه : أنّ هذا لا يتمّ لا على مبنانا ، لما عرفت من أنّ الضرر إنّما يحدث باللزوم ، والصحّة وحدها ليست ضرريّة ، فنفي اللزوم نفي للضرر لا تدارك له . ولا على ما مضى من مبنى المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه من أنّ الضرر له وجود مستمرّ قبل
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 574
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٧٤