الشرعيّة ، بأنّ البراءة العقليّة لا تجري بقطع النّظر عن المعارضة . وأمّا البراءة الشرعيّة فهي تجري لولا المعارضة اتّجه هذا التفصيل هنا ، فالبراءة العقليّة لا تجري ، والبراءة الشرعيّة عن العتق تجري لما عرفت من عدم ابتلائها بالمعارض ، وهذا هو مختارنا .
نعم ، لا بدّ من التفتيش عن دليل يشمل في نفسه فرض العلم الإجمالي كالاستصحاب .
هذا . وقد يقال في المقام : إنّ ثبوت العلم الإجمالي من دون انحلال حقيقي بلحاظ ما في العهدة ، وإن كان تامّا في مثل دوران الأمر بين وجوب القيام ووجوب التعظيم المنتزع من القيام وغيره ، لدوران أمر ما علمنا إجمالا دخوله في العهدة بين المتباينين ، وهما القيام والتعظيم ، ولكن في مثل ما نحن فيه - وهو دوران الأمر بين عنوان أحدهما وواحد معيّن منهما ، وهو العتق مثلا - لا يتمّ ذلك .
والفرق بين الموردين : هو أنّه فيما نحن فيه لا يتشكَّل علم إجمالي بلحاظ ما في العهدة ، لأنّنا وإن كنّا نعلم إجمالا بوجوب العتق ، أو وجوب أحدهما مثلا المنتزع منه ومن الصوم مثلا ، لكنّ الَّذي يمكن أن يدخل في العهدة إنّما هو العتق ، وأمّا عنوان أحدهما فلا يمكن أن يدخل في العهدة ، إذ هو عنوان يخاط في معمل النّفس بوهمها وخيالها ليلبسه على ما في الخارج ، وليس له ما بإزاء في الخارج واقعا ، فليس هذا حاله حال العناوين الانتزاعيّة التي تنتزع باعتبار مالها بإزاء في الخارج ، فالتعظيم المنتزع من القيام يكون بلحاظ شيء ثابت مع القيام لولاه لما انتزع ذلك من القيام ، فتكوّن العلم الإجمالي بلحاظ ما في العهدة بين أمرين متباينين وهما التعظيم والقيام معقول بخلاف الحال فيما نحن فيه .
والجواب : أنّ عنوان أحدهما وإن كان عنوانا تخيطه النّفس لكنّه ليس مجرّد أمر وهمي من قبيل أنياب أغوال ، بل هو شيء تصنعه النّفس في معملها الخاصّ لتري به درجة من التغيّر الواقع في العالم الخارجي ، فحينما نعرف أنّه دخل أحد الشخصين في الدار فهذا في الحقيقة يكشف عن نوع تغيّر واقع في العالم الخارجي ، وهو عدم انضمام عدم هذا الشخص في الدار إلى عدم انضمام ذاك الشخص فيها ، إذن يكون له نحو ما بإزاء في الخارج وبلحاظه يدخل في العهدة .
المبنى الرابع : ما اختاره المحقّق العراقي رحمه اللَّه من إرجاع الوجوب التخييري إلى عدّة وجوبات بعدد الأعدال كما هو الحال على المبنى الأوّل ، مع فرض ضيق في جانب الوجوبات كما هو الحال أيضا على المبنى الأوّل ، إلَّا أنّ الفرق بينه وبين
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 360
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٦٠