4 - ما لو دار الأمر بين وجوب شيء يلازم شيئا آخر دون العكس ووجوب ذاك اللازم ، كما لو علم إجمالا بوجوب إكرام الخادم أو المخدوم ، وفرضنا أنّه يحصل بإكرام الخادم إكرام المخدوم - أيضا - دون العكس .
وكل علم إجمالي يكون من هذا القبيل لا يكون منحلَّا انحلالا حقيقيّا ، لأنّه بلحاظ ما في العهدة يكون الأمر دائرا بين المتباينين . نعم ، بلحاظ ما لا بدّ تكوينا من الإتيان به لو أراد حصول الامتثال يكون الأمر دائرا بين الأقلّ والأكثر ، لأنّ أحدهما لا ينفكّ امتثاله عن الآخر بخلاف العكس ، لكنّ هذا انحلال بلحاظ اللابدّيّة التكوينيّة ، لا بلحاظ اللابدّيّة الشرعيّة وما يدخل في العهدة شرعا .
وهنا يجب أن ننتقل من الانحلال الحقيقي إلى البحث عن الانحلال الحكمي ، لنرى هل يوجد في المقام انحلال حكمي أو لا ؟ والتحقيق : أنّه إن فرضنا أنّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع بمرتبة الموافقة القطعيّة تنجيزا علَّيّا فلا معنى هنا للانحلال الحكمي ، ولا بدّ من الاحتياط باختيار العتق ، لأنّ كلا من عنوان العتق وعنوان أحدهما يحتمل أن يكون هو الواقع الَّذي هو منجّز حسب الفرض .
وإن فرض أنّ العلم الإجمالي إنّما ينجّز الجامع ، أو ينجّز الواقع بمقدار الجامع ، أو أنّ تنجيزه للواقع بمرتبة الموافقة القطعيّة ليس بنحو العلَّيّة ، وأنّ تنجيزه بهذه المرتبة نتيجة لتعارض الأصول في الأطراف ، ففيما نحن فيه يتّجه الانحلال الحكمي بجريان البراءة عن وجوب العتق ، ولا تعارض بالبراءة عن وجوب أحدهما ، لأنّ البراءة عن وجوب أحدهما غير جارية بقطع النّظر عن المعارضة ، فإنّ الهدف من إجراء البراءة هو التأمين عن العقاب ، ففي أيّ حال يفترض تأمين هذه البراءة عن العقاب ؟ هل في حال الإتيان بأحدهما ، أو في حال عدم الإتيان بذلك ؟ طبعا ينبغي أن يطلب منها التأمين في الحال الثاني ، إذ الحال الأوّل هو حال امتثال عنوان أحدهما ، ولا معنى للتأمين عن عقابه في حال امتثاله ، وإنّما المقصود من إجراء البراءة هو إثبات عدم استحقاق العقاب لو خالف ، ومن المعلوم أنّ الحال الثاني - وهو حال ترك عنوان أحدهما - مساوق لحال المخالفة القطعيّة للواجب ، وترك الجامع رأسا ، وثبوت العقاب في هذا التقرير قطعيّ ، وليس في هذا الحال عقاب ثان تفرض البراءة مؤمّنة عنه .
وإذا كان المختار في باب العلم الإجمالي التفصيل بين البراءة العقليّة والبراءة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 359
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٥٩