فرض الإطلاق أمرا وجوديّا ، لما مضى من أنّ الإطلاق ليس له ما بإزاء في محكيّ الصورة ، وإنّما شغله عبارة عن أن يجعل الصورة أوسع انطباقا وحكاية عمّا في الخارج ، وبهذا يتّضح الحال في نسبة العتق إلى الرقبة وإلى الرقبة المؤمنة ، فهما مع ملاحظة تلك الحدود متباينتان ، ومع إلغاء الحدود تكونان أقلّ وأكثر .
ثمّ إنّ المحقّق العراقي رحمه اللَّه ذكر في المقام تفصيلا في فرض دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ شرائط متعلَّق المتعلَّق ، لكنّه يظهر ببيان نكتة التفصيل أنّه لو تمّ لجرى في شرائط المتعلَّق أيضا ، وقبل ذكر هذا التفصيل نذكر مقدّمتين :
الأولى : أنّ تلوّن الشيء بلون الإطلاق تارة ، وبلون التقييد أخرى إنّما هو بلحاظ عالم الجعل ، وأمّا بلحاظ عالم التطبيق فلا يتّصف الشيء بالإطلاق والتقييد ، وإنّما يتّصف بالفقدان والوجدان ، فالرقبة مثلا في عالم جعل وجوب العتق إمّا مطلقة أو مقيّدة بالإيمان ، وأمّا في عالم التطبيق فهي إمّا واجدة للإيمان أو فاقدة له ، ولا يتصوّر فيها الإطلاق والتقييد .
والثانية : أنّ هنا اختلافا جوهريّا بين الانحلال الَّذي نحن اخترناه في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ الأجزاء ، والانحلال الَّذي اختاره المحقّق العراقي رحمه اللَّه في ذلك ، فإنّنا اخترنا الانحلال بلحاظ نفس التكليف ، وبحسب عالم العهدة ، حيث قلنا : إنّه لو لوحظ ذات التكليف ملغيّا عنه حدوده ، لأنّها لا تدخل في العهدة ، تردّد لا محالة بين الأقلّ والأكثر ، ويكون الزائد مشكوكا بالشكّ البدوي ، لكنّ المحقّق العراقي لا يقول بالانحلال بهذا المعنى ، وإنّما يقول بالانحلال بمعنى آخر ، وهو قدّس سرّه لم يصرّح في مقام تقريب الانحلال بذلك ، ولكنّنا نقتنص هذا المبنى له من كلامه فيما اختاره فيما نحن فيه من التفصيل ، فهو رحمه اللَّه لا يقول بالانحلال بلحاظ نفس التكليف باعتبار عالم العهدة ، فكأنّه قدّس سرّه يأخذ الحدود بعين الاعتبار مثلا ، فيصبح الأمر دائرا بين المتباينين ، وإنّما يقول بالانحلال بلحاظ عالم الامتثال والتطبيق ، لأنّه لا بدّ له بحسب عالم الامتثال والتطبيق من الإتيان بالأجزاء التسعة ، ويشكّ في لزوم ضمّ جزء آخر إليها وعدمه ، فالأمر بلحاظ عالم الامتثال والتطبيق دائر بين الأقلّ والأكثر ، ويكون الزائد مشكوكا بالشكّ البدوي ومنفيّا بالبراءة .
إذا عرفت هاتين المقدّمتين ظهرت لك نكتة التفصيل فيما نحن فيه ، حيث فصّل المحقّق العراقي بين ما إذا كان القيد المشكوك بنحو يكون كلّ فرد من أفراد الطبيعي قابلا للاتّصاف به كالإيمان ونحوه بالنسبة للرقبة ، وبين ما لا يكون كذلك
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 350
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٥٠