تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢

طول البراءة عن وجوب الأكثر ، لأنّ الجزئيّة أمر منتزع عن وجوب الأكثر ، فالسرّ في العدول عن إجراء البراءة عن وجوب الأكثر إلى البراءة عن الجزئيّة ابتلاء البراءة عن الأكثر بالمعارض وتساقطهما ، ووصول النوبة إلى البراءة عن الجزئيّة غير المبتلاة بالمعارض ، وبهذا تتضح النكتة في التفصيل بين جريان وعدم جريان البراءة العقليّة أيضا ، وذلك لما عرفت من بقاء البراءة عن الجزئيّة بلا معارض بعد تعارض البراءتين العرضيتين وتساقطهما . ويرد عليه : أوّلا : أنّ هذا إنّما يتمّ على مبنى الاقتضاء دون العلَّيّة المتبنّاة للمحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه ، إذ على هذا المبنى لا تجري البراءة ، ولو لم تكن مبتلاة بالمعارض . وثانيا : أنّ الأصل في جانب الجزئيّة ليس في طول الأصل في جانب الأكثر ، إذ ليس ترتّب الجزئيّة على وجوب الأكثر ترتّبا شرعيّا ، وإنّما تنتزع منه عقلا ، فنفيه لا يوجب نفي الجزئيّة إلَّا بالملازمة العقليّة . وثالثا : أنّ إجراء البراءة عن الجزئيّة في نفسه غير معقول ، لأنّ الجزئيّة لا تقبل التنجيز ، وإنّما الَّذي يتنجّز هو منشأ انتزاعها ، فلو فرض محالا تحقّق الجزئيّة من دون وجوب الأكثر لم يكن المكلَّف ملزما بالإتيان بالأكثر ، إذن فالجزئيّة لا تقبل الوضع الظاهري بمعنى إيجاب الاحتياط تجاهها حتّى يرفع رفعا ظاهريّا - بمعنى نفى إيجاب الاحتياط تجاها - وإنّما الَّذي يقبل الوضع الظاهري والرفع الظاهري هو منشأ انتزاعها من وجوب الأكثر ، وأمّا الجزئيّة فليس لها وضع ووجود إلَّا الوجود الواقعي دون الظاهري ، نعم قد تكون للشيء الجزئيّة الواقعيّة للواجب الواقعي تنتزع من الأمر الواقعي بذلك الواجب ، وأخرى تكون له جزئيّة واقعيّة للواجب الظاهري تنتزع من الأمر الظاهري بذلك الواجب . وقد يقول الشارع في مقابل الترخيص الظاهري : رفعت عنك جزئيّة السورة لدى الشكّ في الجزئيّة ، لكن هذا الكلام منه يعدّ كناية عن رفع منشأ الانتزاع ، ورفع إيجاب ذلك الجزء ، وليس ذلك رفعا ظاهريّا للجزئيّة بالدقّة . ورابعا : ما ذكره المحقّق الأصفهاني رحمه اللَّه في المقام ( 1 ) من أنّ البراءة عن الجزئيّة معارضة مع البراءة عن كلَّيّة الأقلّ ، إذ لو صحّت البراءة عن الجزئيّة المنتزعة عن

هامش
( 1 ) راجع نهاية الدراية في شرح الكفاية ، ج 2 ، ص 273 . .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 342 | السيد كاظم الحسيني الحائري