في برهانه وبيانه ، ولم يذكره مستقلَّا ، ونحن نفرزه هنا ، وهو أنّ الواجب الارتباطي يستحيل أن يتبعّض في التنجّز بأن يتنجّز بعض أجزائه ، ولا يتنجّز البعض الآخر ، بل هنا تنجّز واحد للمجموع ، فإمّا أن يتنجّز الكلّ أو لا يتنجّز شيء منه .
والثاني : أنّ الانحلال في المقام تارة يفرض حقيقيّا بلحاظ مجموع ما في عالم الواقع حتّى الحكم ، فيقال : إنّه لا علم إجمالي في المقام ، كما هو الحال في الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين ، إذ نعلم لا محالة فيهما بوجوب الأقلّ بحدّه ، ونشك في وجوب الزائد ، ولا ينبغي الإشكال في انتفاء هذا الانحلال في الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، إذ من الواضح أنّنا لا نعلم تفصيلا بوجوب الأقلّ بحدّه ، كي ينحلّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ بحدّه ، أو وجوب الأكثر بحدّه ، ولعلَّه لم يستشكل أحد في نفي هذا الانحلال ، وليس هذا الانحلال هو المنظور إليه في كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه .
وأخرى يفرض حقيقيّا بلحاظ خصوص عالم الإيجاب والعهدة بغضّ النّظر عن الحدود ، باعتبار أنّ حدود الوجوب ليست داخلة في العهدة ، وإنّما الَّذي يدخل في العهدة هو ذات الوجوب .
وثالثة يفرض حكميّا بلحاظ عالم التنجّز ، ويقال : قد علمنا بصلاحية الأمر الموجود في المقام لتنجيز الأقلّ على كلّ تقدير ، وأمّا الزائد فلا نعلم بصلاحية الأمر لتنجيزه على كلّ تقدير ، لاحتمال تعلَّقه بالأقلّ ، فلم يعلم وجود أمر يقتضى تنجيزه ، فهو باق تحت قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) .
وهذا الانحلال الأخير سنحتاج إليه حتما فيما بعد في غير فرض كون الدوران بين الأقلّ والأكثر بلحاظ الأجزاء ، وعندئذ نتكلَّم عنه - إن شاء اللَّه - بجميع صيغه ، ونختار منها صيغته الفنّيّة ، والآن لا نحتاج إلى تصوير هذا الانحلال بأكثر ممّا ذكرناه استطراقا إلى فهم كلام صاحب الكفاية .
وأكبر الظن أنّ المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه إنّما يكون ناظرا إلى مناقشة هذا الوجه الثالث من الانحلال دون الوجه الثاني ، فكأنّه يأخذ حدود الوجوب بعين الاعتبار ، فيفرغ عن بطلان الانحلال الحقيقي ، ويتكلَّم عن الانحلال الحكمي بالمعنى الَّذي عرفت .
وحاصل مرامه رحمه اللَّه في المقام : هو أنّ الانحلال يتوقّف على تنجّز الأقلّ على كلّ تقدير ، وأحد تقديريه هو تعلَّق الأمر بالأكثر ، فلا بدّ من الفراغ عن تنجّز الأمر بلحاظ الأقلّ ولو كان متعلَّقا بالأكثر ، وهذا يساوق تنجّز الأمر بالأكثر بلحاظ الزائد
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 334
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٣٤