2 - في خصوص العبادات
الوجه الثاني : ما كنّا نذكره في قديم الزمان وجها للمنع عن جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيين في العبادات ، وكان ذلك في الحقيقة نقضا على الأصحاب في مبنى فقهيّ لهم في مسألة ما إذا قصد المكلَّف في عبادته خصوصيّة في الحكم ، أو في المتعلَّق ، فتبيّن خلافها ، فهل تصحّ عبادته أو لا ؟ مثلا لو أتى بعمل بقصد الاستحباب فتبيّن كونه واجبا أو بالعكس ، أو صلَّى في المسجد بقصد وجوب خصوص الصلاة في المسجد ثم تبيّن أنّ الوجوب متعلَّق بطبيعة الصلاة لا بخصوص الصلاة في المسجد ، فصاحب العروة قدّس سرّه فصّل في ذلك بين ما إذا كان قصده بنحو الاشتباه في التطبيق ، أو كان بنحو التقييد ، بحيث لا داعي له إلى الامتثال على تقدير كون الواقع خلاف ما تخيّله ، فعلى الأوّل يصحّ عمله ، وعلى الثاني يبطل للإخلال بقصد القربة ، لأنّ ما قصد القربة بلحاظه لم يكن ثابتا في الواقع ، وما كان ثابتا في الواقع لم يقصد القربة بلحاظه فقد قصد هو أمرا أو ملاكا خاصّا غير موجود ، ولم يقصد ما هو الموجود من أمر أو ملاك . وأكثر المعلَّقين على العروة وافقوا المصنّف على هذا التفصيل .
وعلى هذا المبنى نقول في المقام : ليس الأقلّ هنا إذا دار الأمر بين وجوب الصلاة مع سورة أو بلا سورة مثلا محفوظا دائما ضمن الأكثر كي نجري البراءة عن الزائد المشكوك ، بل النسبة بين الأقلّ والأكثر عموم من وجه ، فمادّة الاجتماع هي : ما إذا أتى بالأكثر لا بنحو التقييد ، فعندئذ قد حصل الأقلّ والأكثر معا ، ومادّة الافتراق من جانب الأقلّ : هي ما إذا أتى بالأقل بأن صلَّى بلا سورة في هذا المثال ، فقد حصل الأقلّ ولم يحصل الأكثر ، ومادّة الافتراق من جانب الأكثر هي : ما إذا أتى بالأكثر بنحو التقييد بأن قصد في هذا المثال وجوب الصلاة مع سورة ، بحيث إنّه لا يريد الامتثال لو كان الواجب واقعا هو الأقلّ ، ولنفرض أنّه قصد امتثال الأمر بالأكثر رجاء لا بنحو الجزم والتشريع كي يبطل العمل من هذه الناحية ، فإذا صلَّى بهذا الشكل فقد حصل امتثال الأكثر ، ولكنّه لم يحصل امتثال الأقلّ على تقدير وجوبه ، فالأقلّ مقيّد بعدم تقييد القصد بالأكثر ، بناء على تصوير تعلَّق الوجوب الشرعي بوجه من الوجوه بقصد القربة ، فالأقلّ لم يعد بالدقّة أقلّ ، بل كلّ منهما مشتمل على زيادة منفيّة بالبراءة ، فتتعارض البراءتان .