وعلى أيّة حال فالمحقّق العراقي رحمه اللَّه بعد أن ذكر في المقام هذا الإشكال المانع عن جريان البراءة بعد الشروع في الركوع أجاب عنه بجوابين ، نحن نذكر الثاني منهما أوّلا ، والأوّل ثانيا فنقول :
الجواب الأوّل : ما يكون حاصل النكتة فيه بعد حذف الزوائد : أنّ هذا العلم الإجمالي إنّما حصل في طول عمله بما كان معذورا فيه من ترك السورة ، وما وقع من المكلَّف معذورا فيه وخاليا عن القبح يستحيل أن ينقلب في المرتبة المتأخّرة عن وقوعه إلى القبيح وغير المعذور عنه .
ويرد عليه : أنّ هذا العلم الإجمالي إنّما هو في طول تركه للسورة في هذه الصلاة ، وما يتكلَّم في أنّه هل هو معذور فيه أو لا ليس هو تركه للسورة في هذه الصلاة ، بل تركه لها في هذه الصلاة ليس مخالفا لأمر المولى بالصلاة مع السورة في نفسه ، بلا حاجة إلى التمسّك بالبراءة ، إذ يمكنه أن يصلَّي بعد هذه الصلاة صلاة مع السورة ، والأمر بالصلاة مع السورة إنّما أوجب طبيعيّ الصلاة مع السورة في تمام الوقت ، لا خصوص هذه الصلاة ، فلو كان هذا العلم الإجمالي في طول ترك السورة في تمام الوقت ، وهو الَّذي يؤمّننا عنه دليل البراءة ، صحّ ما ذكر : من أنّ العلم الإجمالي الحاصل في طول ذلك لا يوجب قبح ما تحقّق في السابق خاليا عن القبح في المرتبة السابقة ، فلا يؤثّر هذا العلم الإجمالي إلَّا مع فرض عامل جديد في المقام ، وهو الأمر بالقضاء ، فإنّه - عندئذ - يعلم إجمالا بوجوب إتمام هذه الصلاة أو القضاء .
الجواب الثاني : أنّ هذا العلم الإجمالي الحاصل بعد دخوله في الركوع لا ينجّز ، لأنّ أحد طرفيه - وهو وجوب الإتمام بالإتيان بالركوع وما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة - كان منجّزا عليه من قبل ، لأنّه قبل أن يركع يوجد له - إضافة إلى علمه الإجمالي الثابت من قبل الصلاة بوجوب طبيعي تسعة أجزاء أو عشرة في تمام الوقت - علم إجمالي آخر ، وهو العلم بوجوب السورة في خصوص هذه الصلاة وما بعدها من الأجزاء إلى آخر الصلاة ، أو وجوب الركوع فيها وما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة ، وذلك لعلمه بوجوب الإتمام ، وهذا العلم الإجمالي مردّد أيضا بين أقلّ وأكثر ، وينحلّ إلى العلم بالأقلّ ، وهو وجوب الركوع وما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة الَّذي هو في نفس الوقت أحد طرفي العلم الإجمالي الحاصل له بعد الدخول في الركوع ، والشكّ في الزائد ، وهو السورة ، فالأقلّ قد تنجّز عليه قبل الركوع ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 330
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٣٠