أنّ الوجوب الارتباطي يتعلَّق بالأجزاء ، مع فرض أنّ كلّ جزء جزء في نفسه ، وشرط لغيره من الأجزاء ، وأنّ كلّ واحد منها مقيّدا بالباقي واجب .
ولا يرد على هذا استلزامه للدور ، لكون الشرط مقدّما رتبة على المشروط ، فيلزم تقدّم كلّ من الجزءين على الآخر .
فإنّ الجواب عن ذلك : هو أنّ الشرط له معنيان :
أحدهما : ما يتوقّف عليه الشيء ، كالصعود على الدرج بالنسبة لكون على السطح ، والشرطيّة بهذا المعنى هي التي لا يمكن أن تكون من الطرفين للزوم الدور .
وثانيهما : ما قيّد به الشيء وحصّص به ، والشرطيّة بهذا المعنى من الطرفين لا تستلزم الدور ، إذ ليست ذات كلّ من الركوع والسجود مثلا متوقّفة على الآخر ، وإنّما تكون نسبة كلّ منهما للآخر ، ومقارنته له متوقّفة عليه ، فيختلف المتوقّف على المتوقّف عليه .
إلَّا أنّ الكلام يقع فيما هو الدليل على دعوى أخذ كلّ واحد من الأجزاء مقيّدا بالباقي ، والدليل على ذلك يكون أحد أمرين :
الأمر الأوّل : أنّ الوجوب الارتباطي بما أنّه وجوب واحد يستحيل تعلَّقه بالمتكثّر بما هو متكثّر ، فلا بدّ من فرض وحدة في متعلَّقه ، وتوحيد هذه الأجزاء يكون بتقييد كلّ منها بالباقي ، فهذا التقييد المتقابل يكون قضاء لحقّ وحدة الوجوب .
والواقع : أنّ استحالة تعلَّق الوجوب الواحد بالمتكثّر بما هو متكثّر ، وإن كان أصلا بديهيا عندنا - رغم مخالفة المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه فيه كما سيأتي إن شاء اللَّه - لكنّ هذا لا يفيد شيئا في المقام ، لأنّ هذه التقييدات المتبادلة لا توحّد تلك الأمور المتكثّرة ، غاية الأمر أنّه بغضّ النّظر عن التقييد تكون تلك الأمور ذوات أجزاء متكثّرة ، وبالنظر إلى التقييد تكون مقيّدات متكثرة ، وهذا لا يقتضي حقّ وحدة الوجوب ، والشاهد على ذلك أنّه يمكن فرض هذه التقييدات المتبادلة بين واجبات مستقلَّة ، فمثلا : يشترط في صحّة صلاة العصر إيقاعها بعد صلاة الظهر ، ويمكن فرض اشتراط صحّة صلاة الظهر - أيضا - بإيقاع صلاة العصر بعدها ، من دون أن يلزم من ذلك كونهما واجبا واحدا ومتعلَّقا لوجوب واحد .
والخلاصة : أنّه يمكن فرض غرضين مستقلَّين في أمرين مع افتراض أنّ كلّ واحد من الغرضين لا يحصل إلَّا بحصّة من أحد الأمرين مقارنة للآخر ، وعندئذ يتحقّق لا محالة وجوبان مستقلَّان لهما امتثالان وعصيانان ، وفاعلهما يثاب بثوابين ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 311
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣١١