وإن كان المقصود الثاني ، فلا إشكال في أنّ وجوب الأقلّ المحدود بحدّ وقوفه على المقدار الأقلّ ، والوجوب الممتدّ إلى الجزء الزائد متباينان بما لهما من الحدّين المتباينين ، وقد تعلَّق بذلك العلم الإجمالي ، إلَّا أنّ هذا التباين إنّما هو بلحاظ الحدّ ، وحدّ وجوب الأقلّ الَّذي يعني الوقوف على الجزء التاسع وعدم تعدّيه إلى الجزء العاشر لا يدخل في العهدة ، وليس له امتثال ، وإنّما الَّذي يدخل فيها ويتطلَّب الامتثال هو ذات الوجوب ، وحينما نلحظ ذات الوجوب بقطع النّظر عن حدّه لا نرى وجوبين متباينين ، بل نعلم بعروض الوجوب على الأقلّ ، ونشكّ في انبساطه على الزائد ، وإنّما التردّد بين المتباينين في النّفس يكون في مرتبة الحدّ غير الواجب امتثاله .
وممّا ذكرنا ظهر وجه الخلل - فيما مضى من التصوير البدائي لإرجاع الأمر إلى المتباينين - من أنّ الوجوب الارتباطي وجوب واحد ، والوحدة تساوق التباين ، فإنّه إن لاحظنا الحدّ في المقام صحّ ذلك ، إلَّا أنّ الحدّ غير واجب الامتثال ، وإنّما الَّذي يجب امتثاله ذات المحدود ، وفي مرتبة ذات المحدود ملغيّا عنه الحدّ لا يرى وجوبان حتى يقال : إنّ الوحدة تساوق التباين ، بل يرى أنّ الوجوب عرض على الأقلّ ، ويشكّ في امتداده على الزائد وعدمه .
وأمّا الاتجاه الثاني : فحاصله أنّنا وإن علمنا تفصيلا بوجوب الأقلّ استقلالا أو ضمنا ، لكنّ الأقلّ المعروض للوجوب استقلالا غير الأقلّ المعروض للوجوب ضمنا .
ولتكن الآن صياغة بيان ذلك : هي أنّ المعروض للوجوب الاستقلالي هو الأقلّ بإطلاقه وبلا قيد ، والمعروض للوجوب الضمني هو حصّة خاصّة من الأقلّ ، وهي الحصّة المقيّدة بالاقتران بالزائد على ما هو شأن أجزاء الواجب الارتباطي ، والمطلق مع المقيّد متباينان .
وتوضيح حال هذا الاتجاه يتطلَّب منّا الحديث عن أصل حقيقة الواجب الارتباطي فنقول :
تصوير حقيقة الواجب الارتباطي
إنّ في حقيقة الواجب الارتباطي تصويرات ثلاثة :
التصوير الأوّل : ما يناسب صياغة البيان المذكور آنفا في إبراز عنصر التباين من