الابتلاء يرجع بعد التحليل إلى الحديث عن ذات الخطاب بما هو كلام ، وعبارة صادرة عن مولى مقيّد بالآداب العرفية ، والالتزامات العقلائيّة ، من قبيل ما يقال : إنّ المولى إذا ذهب إلى شخص من الناس المستضعفين وقال له : لا تظلم الناس بجباية الضرائب بغير الوجه الشرعيّ ، فالعقلاء يستهجنون هذا الكلام منه ، ويستهزئون به ، بسبب هذا الكلام ( 1 ) . وهذا - كما ترى - يرجع إلى إشكال في نفس الخطاب بما هو عبارة صادرة من المتكلَّم الملتزم بالجهات العرفية والعقلائية ، ولذا ترى أنّ هذا الاستهجان ثابت - ولو بشكل أخفّ - فيما لو وجّه الخطاب إلى ذلك الإنسان الضعيف ، مشروطا بشرط الدخول في محلّ الابتلاء ، بأن قال : إذا أصبحت سلطانا فلا تظلم الناس بجباية الضرائب ، وذلك بوجود نفس نكتة الاستهجان فيه ، بالرغم من كونه تكليفا مشروطا بالدخول في محلّ الابتلاء . ولهذا ترى أيضا أنّ هذا الاستهجان غير ثابت في الخطاب إذا كان بالعموم والإطلاق وإن شمل هذا الشخص ، بأن يقول : لا يجوز أن يظلم أحد أحدا بجباية الضرائب بغير وجه شرعيّ . والخلاصة : أنّ هذا الإشكال قشريّ غير راجع إلى مدلول الخطاب ، وينبغي غضّ النّظر عنه ، وعطف عنان الكلام إلى أنّه هل يوجد وجه لاشتراط مدلول الخطاب بالدخول في محلّ الابتلاء ، أو لا ؟ فنقول : إنّ من المداليل التصديقية للخطاب ثبوت مبادئ الحكم من الملاك والحب والبغض ، وقد ظهرت في المقام الأوّل استحالة دخل وصف الدخول في محلّ الابتلاء فيه ، فهل يوجد هنا مدلول تصديقي آخر للخطاب كي يرى أنّه هل هو مشروط بالدخول في محلّ الابتلاء ، أو غير مشروط ، أو لا يوجد شيء من هذا القبيل ؟ الصحيح : أنّ هذا يختلف باختلاف المورد ، والغالب في الأدلَّة اللفظية وجود مدلول زائد على المبادئ ، فليست الخطابات من قبيل مجرّد الأخبار عن ثبوت المبادئ ، بل تدلّ على شيء آخر ، وهو كون المولى في مقام التحريك المولوي ، وخلق الباعث المولوي لمن تمّت بشأنه تلك المبادئ ، ولذا نقول بعدم شمول الخطاب للعاجز ، ومن هنا نقول بعدم معلوميّة ثبوت الملاك بشأن العاجز ، لانتفاء
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 222
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٢٢
هامش
( 1 ) راجع المقالات : ج 2 ، ص 92 ، ونهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 338 - 339 ، وفوائد الأصول : ج 4 ، ص 17 و 18 . .