تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤

ليس خصوص تحريك العبد نحو تحصيل المبادئ ، بل يوجد هنا غرض آخر أيضا ، وهو أن يتمكَّن العبد من التقرّب إلى مولاه ، بكون عمله بداعي أمر المولى وطلبه ، فتكمل بذلك روحيّاته ومعنويّاته ، وقد ثبت في الفقه أنّه تكفي في قصد القربة المحرّكيّة التامّة للداعي الإلهي في نفسه وإن انضمّ إليه صدفة داع آخر غير الرياء ، فأصبح بالفعل كلّ منهما جزء العلة ، وقد ورد في وصيّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لأبي ذر : ( ليكن لك في كل شيء نيّة حتّى في النوم والأكل ) ( 1 ) ويوجد في الكلمات تقريب آخر أيضا في المقام ، يذكر لبيان اشتراط التكليف بالدخول في محل الابتلاء ( 2 ) عن إشكال تحصيل الحاصل المحال عقلا ، لأنّ تحريك المولى للعبد الَّذي هو روح الحكم ، مع فرض تحرّك العبد في نفسه ، عبارة عن تحصيل الحاصل المحال . ويرد عليه : - مضافا إلى ما عرفته في الجواب الثاني من جوابي التقريب السابق ، من عدم انحصار الغرض في مجرّد التحريك نحو تحصيل الملاك [ 1 ] - أنّ

شرح
[ 1 ] ينبغي أن يكون مقصود من يعترض بإشكال لزوم تحصيل الحاصل : أنّ خلق الداعي في نفس العبد الَّذي يكون المورد خارجا عن محلّ ابتلائه محال ، لأنّ تكوّن الداعي في نفسه بسبب التكليف تحصيل للحاصل ، لا أن يكون مقصوده أنّ تكوّن داعي التحريك للعبد في نفس المولى تحصيل للحاصل ، فهذا الإشكال ينبغي أن يختلف عن إشكال اللغويّة في أنّ إشكال اللغويّة كان ينصبّ ابتداء على الداعي المتكوّن في نفس المولى لتحريك العبد ، فيقال : هذا عبارة عن داعي العبث واللغو ، لأنّ تحرّك العبد مضمون ، وعندئذ كان من المعقول أن يجاب عنه بأنّه قد لا يكون الداعي المتكوّن في نفس المولى عبارة عن داعي تحريك العبد ، بل يكون عبارة عن داعي تمكين العبد من قصد القربة ، أمّا إشكال تحصيل الحاصل ، فينبغي أن ينصبّ أوّلا على تكوّن الداعي في نفس العبد ، فيقال : إنّ الداعي موجود في نفسه بطبعه ، وداعويّة التكليف له تعني تحصيل الحاصل ، فإذا استحالت داعويّة التكليف للعبد استحال تكوّن داعي التحريك في نفس المولى ، فإذا كان هذا هو المقصود فهذا - كما ترى - لا يمكن الجواب عنه بأنّ المولى قد لا يقصد تحريك العبد ، وإنّما يقصد تمكينه من قصد القربة ، إذ لو كانت داعويّة التكليف للعبد تحصيلا للحاصل . ومحالا استحال تمكين العبد من قصد القربة ، فإنّ قصد القربة يعني محرّكيّة
هامش
( 1 ) راجع البحار : ج 77 ، ص 82 . .
( 2 ) راجع الكفاية : ج 2 ، ص 218 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني ، أو نهاية الأفكار : ج 2 ، ص 252 . .