الضرر الخارجي الناشئ من الشريعة ، وبيّنا أنّ القاعدة تجري في مورد الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجماليّ ، وأنّها لا تنفي الحكم ، وإنّما تنفي عدم الترخيص في بعض الأطراف ، وتنقيح الكلام في هذا المقام مضى هناك فلا نعيده .
وأمّا المقام الثاني : فقد مضى في القسمين الأوّلين ما ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه من منافاة الترخيص للحكم الواقعيّ ، ومضى أنّ المحقّق العراقيّ قدّس سرّه فسّر المنافاة بلحاظ كون العلم الإجماليّ علَّة تامّة للتنجيز ، قد أجبنا عنه بأنّ عدم تنجّز الموافقة القطعيّة هنا إنّما يكون مستندا إلى انتفاء جزء آخر من أجزاء علَّة التنجز وهو القدرة ، ولا يكون ذلك نقصا في كون العلم الإجماليّ علَّة تامّة لأثره ، إلَّا أنّ ذلك الجواب لا يأتي هنا ، لأنّ القدرة العقليّة ، وكذا الشرعيّة موجودة هنا ، فيقع التنافي بناء على العلَّيّة بين الترخيص والحكم الواقعيّ ، ويتأتّى - عندئذ - ما مضى من أنّ التنافي هل هو مع أصل الحكم الواقعي فيرتفع رأسا ، أو مع إطلاقه فيحصل التوسّط في التكليف ؟ هذا . وبما أنّنا لا نؤمن بعلَّيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة ، فعلينا أن نغيّر صيغة الإشكال المؤدي إلى القول بالتوسّط في التكليف بأن نقول بدلا عن الاعتماد في إثبات التنافي بين الترخيص والتكليف المعلوم إجمالا في المقام على علَّيّة العلم الإجماليّ للتنجيز : إنّ المفروض لدى إجراء قاعدة نفي الحرج في المقام ، هو البناء على مبنى الشيخ الأعظم من أنّ المرفوع هو التكليف الناشئ منه الحرج ، إذ لو كنّا نبني على مبنى المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه من نفي الموضوع الحرجيّ بلحاظ نفي حكمه ، لما انتهينا إلى جريان قاعدة نفي الحرج في المقام ، وإذا بنينا على أنّ المرفوع هو التكليف الناشئ منه الحرج ، وقعت المنافاة بين نفي الحرج والتكليف المعلوم بالإجمال في المقام ، وبذلك يرتفع التكليف ، فيأتي الكلام في أنّه هل ارتفع أصل التكليف أو إطلاقه ، ويتعيّن الثاني ، وهو ارتفاع إطلاق التكليف تمسّكا في أصل التكليف بدليل ذلك التكليف ، وثبوته من دون إطلاق لا يوجب الحرج ، فيتّجه هنا التوسّط في التكليف .
إلَّا أنّنا حيث اخترنا في تلك القاعدة أنّها تجري في أطراف العلم الإجماليّ ، وتنفي عدم الترخيص في بعض الأطراف ، لا التكليف ، فنحن نلتزم هنا - أيضا - بالتوسط في التنجيز .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 205
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٠٥