تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وأمّا النظرية الثانية ، وهي النظرية القائلة : بأنّ الميزان في الانحلال هو تقدّم أحد العلمين بنفسه ، فالمدّعى في هذه النظرية : هو أنّ منجّز أحد أطراف العلم الإجماليّ بعلم إجمالي سابق يوجب انحلال العلم الإجماليّ المتأخّر ، سواء كان بمعلومه - أيضا - متأخّرا أو لا ، مثلا إذا علم في أوّل الظهر بنجاسة الإناء الأبيض أو الأسود ، ثمّ علم في أوّل الغروب بنجاسة الإناء الأسود أو الأحمر ، سواء كان علما بالنجاسة من الآن ، أو من أوّل الظهر مثلا ، فالعلم الإجماليّ الثاني منحلّ بتنجيز أحد طرفيه من قبل ، ومن المعلوم أنّ المدّعى هنا ليس هو الانحلال الحقيقيّ ، إذ لا معنى لدعوى الانحلال الحقيقي للعلم الإجماليّ بمجرّد تنجّز أحد طرفيه بعلم إجمالي آخر ، وإنّما المدّعى هو الانحلال الحكمي . وقد عرفت أنّه في الانحلال الحكمي يوجد على العموم مسلكان : أحدهما : مسلك المحقّق العراقيّ ( قدّس سرّه ) : من أنّه مع تنجّز أحد الطرفين بمنجّز آخر لا يقبل المعلوم بالإجمال التنجيز بالعلم الإجماليّ على كلّ تقدير ، فلا يمكن تأثير العلم الإجماليّ . والآخر : نظرية مدرسة المحقّق النائينيّ ( قدّس سرّه ) : من أنّه عند تنجز أحد الأطراف لا تتعارض الأصول ، ففي ما نحن فيه يجب أن يكون ما قد يتوهّم من الانحلال على أحد هذين المسلكين : أمّا الانحلال على أساس المسلك الأوّل ، فيمكن أن يتوهّم في المقام بلحاظ أنّ أحد الطرفين قد تنجّز من السابق بالعلم الأوّل ، فلا يقبل التنجّز ثانيا ، فلا يكون المعلوم بالعلم الثاني قابلا للتنجّز به على كلّ تقدير ، فيسقط العلم عن التأثير . لكن التحقيق بعد غضّ النّظر عن بطلان هذا المسلك في نفسه : أنّه غير قابل للتطبيق على ما نحن فيه ، وذلك لأنّ العلم الإجماليّ في كلّ آن إنّما يؤثّر التنجيز بوجوده في ذلك الآن ، ولا يكون وجوده في الآن الأوّل مؤثّرا للتنجيز في الآن الثاني ، ففي وقت الغروب قد اجتمع على الإناء الأسود منجّزان في عرض واحد : أحدهما : العلم الإجماليّ الأوّل بوجوده البقائي ، والآخر : العلم الإجماليّ الثاني بوجوده الحدوثي ، وليس أحدهما قبل الآخر حتّى يرجّح في تأثيره على الآخر ، فيصبح مجموعهما منجّزا واحدا لهذا الإناء الأسود ، فكأنّ فكرة الانحلال على هذا الأساس مبنيّة على تخيّل أنّ العلم السابق بوجوده الابتدائي نجّز هذا الإناء ، فهو منجّز بمنجّز سابق . وأمّا توهّم الانحلال على هذا الأساس عند وجود منجّز تفصيلي في أحد