وإن فرض طريقيّا ، فأيضا لا مجال لإشكال اللغويّة ، وتوضيحه : أنّ ملاك الأمر بالاحتياط هو عين ملاك الواقع ، فتارة يفرض ملاك الواقع في غاية الأهميّة ، بحيث لا يرضى المولى بفوته حتى في حال الشكّ ، فيبرز إيجاب الاحتياط ، وأخرى يفرض في غاية الضعف ، بحيث لا يفرّق في حال المولى بين الاحتياط في حال الشكّ وعدمه ، فيبرز عدم مطلوبيّة الاحتياط ولو استحبابا ، وثالثة يفرض اهتمامه به بدرجة استحباب الاحتياط ، وعندئذ يبرز استحباب الاحتياط . وفائدة هذا الإبراز هي المنع عن أن يصل إلى العبد عدم مطلوبيّة الاحتياط وصولا جزميّا من باب الاشتباه فلا يبقى له محرّك بالنسبة للاحتياط ، أو وصولا احتماليّا فيضعف تحريكه بالنسبة للاحتياط .
وقد تحصّل ممّا ذكرناه عدم محذور في جعل استحباب الاحتياط ، وقد مضى استظهار الاستحباب الطريقيّ للاحتياط من الأخبار . نعم ، يظهر من بعض الأخبار الاستحباب النفسيّ كقوله : ( من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ومن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك ) فإنّ هذا يدلّ على أنّ ملاك ترك شرب التتن المحتمل حرمته مثلا ، هو حصول ترك المحرّمات وأن لا يقع بالتدريج في ارتكاب المحرّمات القطعيّة ، لا التحرّز عن الحرمة الواقعيّة لشرب التتن ، ولا بأس بالالتزام بكلا الاستحبابين لكلتا الطائفتين من الأخبار لو صحّت أسانيد تلك الأخبار .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 490
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٩٠