لكن هذا لا يعني التسليم بكون الحديث ظاهرا في الحكم الواقعيّ ، إذ بالإمكان تطعيم الظاهريّة في نفس الرفع - كما هو ظاهر عبارة الكفاية - لا في المرفوع ، وبيان ذلك : أنّ الحكم الواقعيّ له وضعان : أحدهما نفس جعله الواقعيّ وثبوته في ظرف الشكّ وإن كان المكلَّف غير ملزم به ومرخّصا في تركه ، والآخر جعل ثقله على المكلَّف ووضعه على عاتقه بمعنى إلزامه بالإتيان به احتياطا ، وفي قبال كلّ وضع رفع ، فللحكم الواقعيّ رفعان : أحدهما رفعه بمعنى نفيه حقيقة ، والآخر رفعه بمعنى تنحية ثقله عن عاتق المكلَّف وعدم إلزامه بالعمل به وترخيصه في مخالفة التكليف عند الشكّ ، وتطعيم الظاهريّة في نفس الرفع عبارة عن تعلَّق الرفع بذلك الحكم بالمعنى الثاني .
الثاني : أن يقال : إنّه إذا طعّمت الظاهريّة في نفس الرفع كان ذلك خلاف ظاهر كلمة الرفع ، ومشتملا على عناية زائدة ، وذلك لأنّ المعنى الحقيقيّ لرفع الحكم هو نفيه واقعا لا تنحية ثقله عن عاتق المكلَّف وعدم إلزامه به ، ولهذا نحمل الرفع على الرفع الواقعيّ الَّذي ليس الرفع الحقيقيّ فيه بحسب الواقع رفعا لبعض شؤون الحكم ، وإنّما هو رفع حقيقة لنفس الحكم .
والجواب : أنّه لا بدّ من إعمال هذه العناية في الرفع وإن فرض رفعا حقيقيا ، وهي عناية تعلَّق الرفع الحقيقي ببعض شؤون الحكم الواقعيّ ، وذلك لاستحالة كون العلم بشيء موضوعا لنفس ذلك الشيء ، لا لما مضى من الدور ، بل بقطع النّظر عن الدور كما بيّنّاه في باب أخذ العلم بالحكم في موضوع
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 151
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٥١