وقد ظهر بالعرض الَّذي عرضناه أنّ ما في كلمات الأصحاب - قدّس سرّهم - من استنتاج انحصار الحجّية في الظنّ أي الظنّ الشخصي بإبطال حجيّة الوهم خلط بين المقامين ، وكان المفروض الفصل بينهما فإنّ إبطال حجيّة الوهم وحده غير كاف لإثبات انحصار الحجّية في الظن الشخصي إذ يبقى احتمال حجّية الظن النوعيّ . والمحقّق النائيني رحمه اللَّه أفاد : إنّ الوهم لا يكون مرجعا لعدم معقولية حجّيته إذ ليست فيه جهة كشف أصلا حتى يجعل حجّة . وهذا الكلام - بقطع النّظر عن صحته وبطلانه في نفسه - إمّا ناظر إلى خصوص إبطال مرجعية الوهم أو مبنيّ على الخلط بين المقامين [ 1 ] . وعلى أيّ حال فالمقصود أنّ هذا الوجه لو تمّ لا يثبت به تعين الظن الشخصي في قبال الظن النوعيّ ، فلو لم نقبل باشتمال الوهم على الكشف وإمكان جعل الحجّية له فلا ينبغي الإشكال في أنّ الظن النوعيّ له جهة كشف ويعقل جعله حجّة .
وما يمكن أن يقال في تعيين الظن الشخصي في قبال الظن النوعيّ وجهان :
الوجه الأول - أن يقال : إنّ البناء العقلائي أو السيرة العقلائية في الأغراض المباشرية عند فرض عدم الاهتمام بها إلى درجة لزوم إحرازها القطعي بالاحتياط ونحوه قائم على العمل بالظن الشخصي ، أمّا العمل بما يفيد الظن النوعيّ إذا وجد في مورد ولم يفد ظنّا شخصيا فلم نحرز بناءهم فيه على العمل به . وعندئذ فحجّية الظن الشخصي نثبتها بالإمضاء الثابت
شرح
[ 1 ] نصّ العبارة الواردة في فوائد الأصول الجزء 3 ص 100 ما يلي : » لا بدّ في الطريق من أن يكون له جهة كشف وإراءة عن الواقع ليمكن تتميم كشفه بجعله ونصبه طريقا وبحسب الدوران العقلي ينحصر ذلك بالعلم والظن والمفروض انسداد باب الأوّل فلم يبق إلَّا الثاني فلا مجال لاحتمال نصب غير الظن طريقا « والظاهر أنّ مقصوده بالظن هو الظن الشخصي ، وهو مشتمل على نفس الخلط الواقع فيه الأصحاب في المقام .