في ما سبق في توجيه كلام المحقّق النائيني - قدّس سرّه - وشبهنا المقام هناك بقيام الأمارة على وجوب الإزالة وعلى وجوب صلاة العيد ، والظن بأحدهما مع عدم إمكان الجمع بينهما . ولا يخفى أنّه يجب أن يكون المراد من ترجيح الظن لأحد التكليفين المنجزين على الآخر فيما نحن فيه ما ظهر من بياناتنا هنا ، وليس المقصود من تشبيهنا للمقام بمثال قيام الأمارة على وجوب الإزالة وصلاة العيد دعوى التماثل التامّ في المقام ، وتوضيح ذلك أنّه في مثال الأمارة يكون التكليفان المنجّزان على تقدير صدق الأمارتين تامّين في مرحلة الجعل ، وإنّما التزاحم والترجيح يكونان بحسب عالم الامتثال على ما يراه المذاق المشهور في علم الأصول ، كما هو الحال أيضا في نظرهم في التكليفين المنجّزين بالعلم ، بفرق أنّه مع العلم لا معنى للترجيح بالظنّ ، ومع الأمارة هناك مجال للترجيح بالظنّ . وأمّا في ما نحن فيه فليس هناك مجال لدعوى كون التزاحم والترجيح بحسب عالم الامتثال ، إذ من الواضح أنّه لا يوجد هنا حكمان منجّزان وإنّما هنا حكم واحد منجّز دار الأمر بين تقييدين له في عالم الجعل بقانون رفع العسر والحرج ، أو بين ترخيصين جعليين بقانون رفع العسر والحرج وصار الظنّ مرجّحا لأحد الجعلين في عالم التقييد أو الترخيص .
وأمّا على الفرض الثاني - وهو القطع بأهمية بعض الموهومات أو احتمالها على تقدير ثبوتها في الواقع من المظنونات على تقدير ثبوتها في الواقع ، فمثاله ما لو احتملنا أو قطعنا بأهمية حقوق الناس من حقوق اللَّه مثلا ، وبما أنّ احتمال حقوق الناس وحقوق اللَّه منتشر في المظنونات والموهومات معا ، إذن نحتمل أو نقطع بأهميّة بعض الموهومات على تقدير مصادفتها للواقع من بعض المظنونات على تقدير المصادفة . وهنا أيضا تارة نتكلَّم على مبنى حكومة دليل نفي العسر والحرج على الواقع ، وأخرى على مبنى حكومته على وجوب الاحتياط .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 681
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٨١