أقول : دعوى مثل هذا العلم الإجمالي تحتاج إلى حساب دقيق في الفقه لتصفية مقدار ما عندنا من العمومات والمطلقات الثابتة بالدليل القطعي ، وما في قبالها من أخبار آحاد مخصّصة ومقيّدة ، ومدى كثرتها ، لكي نرى هل يتقوّى عندنا احتمال التخصيص حتى يصل إلى درجة العلم أو لا ؟ .
وفي أكبر الظنّ : أنّ مثل هذا العلم الإجمالي غير موجود ، فإنّنا لو أفرزنا العمومات والمطلقات الترخيصية الثابتة بالدليل القطعي لم يكن لنا علم بتخصيصها بأكثر من المخصّصات المعلومة تفصيلا بالإجماع ونحوه من الأدلَّة القطعيّة ، أو بأخبار الآحاد المتراكمة التي يحصل منها الظنّ الاطمئناني ، فإنّنا وإن كنّا نعلم إجمالا بورود مخصصات أو مقيّدات من الأئمّة - عليهم السّلام - أزيد من المقدار المعلوم بالتفصيل لكن لا نعلم كون بعض تلك المخصّصات والمقيّدات غير المعلومة بالتفصيل مخصّصا ومقيّدا للعمومات والإطلاقات القطعيّة ، فلعلَّها جميعا مخصصة ومقيّدة لما لم يصلنا بنحو القطع ، فأصالة العموم والإطلاق في القطعيّات سليمة عن المعارض ، إذ لا تجري أصالة العموم والإطلاق في غير القطعيّات المفروض عدم ثبوت حجيّتها كي يقع التعارض بينهما .
ولو سلَّمنا القطع بوجود تخصيص زائد للعمومات والإطلاقات القطعيّة فهذه التخصيصات الأخرى غالبا لها علوم إجماليّة صغيرة ، وينحصر تأثيرها في دائرة تلك العلوم الإجمالية الصغيرة ، فمثلا في قوله تعالى : أحلّ الله البيع نعلم ببعض المخصّصات القطعيّة ، وهو ما دلّ على أن لا يكون البائع مكرها ، وتوجد بعض المخصّصات الظنيّة كشرط البلوغ ، أو مالية العين مثلا ، فلو ظنّنا بشرط البلوغ . وبطلان بيع الصبي ظنا معتدّا به إما باعتبار ورود رواية على ذلك ، أو باعتبار فرض الشهرة ، أو الإجماع ، أو نحو ذلك ، وظنّنا أيضا بشرط الماليّة وبطلان بيع ما لا توجد له ماليّة ، وهكذا جمعنا ثلاثة أو أربعة من مثل هذه الموارد ، فعندئذ يحصل الاطمئنان بوجود
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 625
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٢٥