بشموله للخبر الحدسيّ بدعوى أنّ الأداء عنه مطلق يشمل الأداء عن حسّ والأداء عن حدس ، لكنّه معلَّل بقوله فإنّهما الثقتان المأمونان ، وقد مضى أنّ ظاهر التعليل في مثل المقام هو التعليل بأمر عقلائي لا بأمر تعبّدي صرف . ومن المعلوم أنّ الوثاقة في باب الإخبار إنّما تكون في نظر العقلاء في الخبر الحسّي لكون الثقة بعيدا فيه عن الكذب لوثاقته ، وعن الخطأ لحسيّة الخبر .
وأمّا الخبر الحدسيّ فتكثر الأخطاء فيه ولا يعدّ مخبره ثقة في ما قاله بما هو خبر يحتاج عالم آخر إلى الأخذ به ، وإن كان يعدّ ثقة في ذلك بما هو فتوى يحتاج إليها العامي ، فيدلّ هذا الحديث على حجّية الفتوى للعاميّ ، ولا يدلّ على حجّيّة الخبر الحدسيّ لفقيه آخر . أمّا حمل الحديث على فرض المخبر عن حدس ثقة في خبر بما هو خبر تعبّدا ، فهو خلف ما قلناه من أنّ ظاهر التعليل هو التعليل بأمر عقلائي لا بأمر تعبّدي صرف [ 1 ] .
ثمّ إذا شككنا في خبر مّا أنّه خبر عن حسّ أو عن حدس ، وكان المخبر به ممّا يقبل عادة إدراكه بالحسّ ، فالظاهر أنّه لم يستشكل أحد - ولا ينبغي الإشكال - في البناء على الحسّية ، وحجّيّة خبر الواحد .
والوجه في ذلك في نظر المحقّق الخراسانيّ - رحمه الله - هو بناء العقلاء
شرح
[ 1 ] هذا البيان لأستاذنا الشهيد - رحمه الله - في إبطال دلالة السنّة على حجيّة خبر الثقة الحدسي مبتن على ما كان يعتقده وقتئذ من أنّ الحديث الوحيد القطعي أو شبه القطعي من أحاديث حجيّة خبر الثقة هو حديث العمري وابنه ثقتان .
أمّا بناء على كون التوقيع الشريف أيضا كذلك وهو قوله . أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فهذا التقريب لإبطال الاستدلال لا يأتي فيه كما هو واضح ، فينحصر أمر إبطال الاستدلال به ببيان آخر مشترك بين الحديثين ، وهو دعوى أنّ رفض العقلاء لحجيّة الخبر الحدسي واستبعادهم لها يوجب عدم تماميّة الإطلاق في نظر العرف للدليل اللفظي الدالّ على الحجّية ، فلا يكون الدليل اللفظي شاملا للخبر الحدسي ، ففرق بين أن نفترض أنّ العقلاء لم يجعلوه حجّة ولكن لا يستنكرون جعله حجّة من قبل المولى ، وبين استنكارهم لذلك . فالثاني يوجب انصراف الإطلاق بلا إشكال .