أمّا السيرة فلا يمكن إثبات حجّيّة الخبر الحدسي بها سواء قرّبناها بالتقريب المشهور ، أو قرّبناها بالتقريب الَّذي اختصصنا به .
أمّا التقريب المشهور وهو أنّ العقلاء في كلّ زمان ومكان يعتمدون على خبر الثقة ويعملون به ، ولم يردع الشارع عنه ، فاختصاصه بالإخبار عن حسّ واضح ، فإنّ سيرة العقلاء على ذلك مرجعها إلى هذا الارتكاز العقلائي العام الَّذي نجده في أنفسنا ، ولا نشكّ في أنّ هذا الارتكاز مختص بالخبر الحسّي . وأمّا الخبر الحدسيّ فالمرتكز هو عدم الاعتماد عليه بما هو خبر وإن كان المرتكز الاعتماد عليه للعاميّ بما هو فتوى من باب رجوع الجاهل إلى العالم ، فنحن لسنا جازمين بشمول السيرة بهذا المعنى للخبر الحدسيّ ولا شاكَّين في ذلك ، بل جازمون بالخلاف .
وأمّا التقريب الَّذي اختصصنا به ، وهو أنّ أصحاب الأئمّة إمّا كانوا يعملون بما كان داخلا تحت ابتلائهم من أخبار الثقات ، أو لا . وعلى الثاني إمّا أنّهم سألوا المعصوم عليه السّلام عن حكمه وأجابهم الإمام بالنفي ، أو لا . وعلى تقدير الإجابة بالنفي إمّا أنّه وصلنا الجواب ، أو لا . وجميع الشقوق الأخيرة باطل بالبيان الَّذي أسلفناه فتعيّن الأول ، فأيضا لا يثبت أكثر من حجّيّة الخبر الحسّي ، فإنّ الَّذي كان داخلا تحت ابتلائهم وكان عليه مدار الاستنباط كانت أخبارا حسّية ، والخبر الحدسيّ لم يكن داخلا تحت ابتلائهم بما هو خبر [ 1 ] وإن كان داخلا تحت الابتلاء بما هو فتوى .
وأمّا السنّة فقد مضى أنّ حجّيّة خبر الثقة تثبت من السنّة بحديث ( العمري وابنه ثقتان ) وحده ، أو بضمّ أحاديث أخرى إليه ، ولو كان قد اقتصر في هذا الحديث على قوله : فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، أمكن القول
شرح
[ 1 ] لعلّ المقصود : إنّ الخبر الحدسي بما أنّ حجيّته بما هو خبر مرفوضة في نظر العقلاء فلا يوجد حتى التحيّر والشكّ لديهم حوله ، فعدم كثرة السؤال والجواب ليس غريبا .