تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ثمّ إنّ ما ذكرناه إلى الآن كان مبنيّا على فرض أنّه لا يوجد عنصر دخيل في الحكم الواقعي - الَّذي نبحث عن أنّه هل ينافي الحكم الظاهري أو لا ؟ - غير المبادئ ، والتشريع ، والخطاب ، وقد ظهر أنّ كل هذا لا ينافي الحكم الظاهري . ولكن هناك عنصر آخر قد يدّعى دخله في الحكم ، وهو عبارة عن كون الخطاب بداعي البعث والتحريك . وعندئذ قد يقال : إنّ هذا العنصر ينافي الحكم الظاهري لعدم إمكانيّة اجتماع داعي البعث والتحريك مع الترخيص في الخلاف ، فإذا ثبت الترخيص في الخلاف فقد ثبت انتفاء داعي البعث والتحريك ، وهذا يخالف فرض اشتراك العالم والجاهل في الحكم بناء على أنّ ما ثبت بدليل الاشتراك ليس هو مجرد الاشتراك في المبادئ والجعل والخطاب فقط ، بل ذلك كلَّه مع داعي البعث والتحريك ، فإذا لم يعقل بعث وتحريك من كان حكمه الظاهري الترخيص لزم من جعل الحكم الظاهري التصويب .
شرح
إلَّا أنّ هذه الملاحظة لو تمّت فهي لا تضرّ بصحّة الجمع الَّذي اختاره أستاذنا الشهيد ( رحمه الله ) بين الحكم الظاهري والواقعي ، وذلك لأنّ هذا الكلام إنّما يأتي في الأفعال المباشرة ، وفي الأحكام المولوية حينما تكون على شكل القضية الخارجية ، ويكون أمر تشخيص المصداق بيد المولى ، والمولى يأمر بالمصاديق وفق تشخيصه ، أمّا الحكم المولوي الَّذي يكون على شكل القضية الحقيقيّة ، فهو يعني الحب والبغض القائمين على الجامع ، أمّا ما يسري في نفس المولى إلى الصور الخاصة بسبب علمه بالانطباق أو تردّده في الانطباق فليس العبد مسؤولا عنه ، ولذا لو علم المولى خطأ بانطباق ما فيه الغرض على مصداق ، وعلم العبد بخطإ المولى فعلى العبد أن يعمل وفق علمه هو . وهذا بخلاف الحكم الَّذي كان على شكل القضية الخارجية وأمر المولى فيه وفق تشخيصه فعلى العبد عندئذ أن يعمل وفق تشخيص المولى وإن علم خطأه . هذا والتردّد الَّذي هو محل الكلام إنّما هو تردّد العبد وليس تردّد المولى . ومن الواضح أنّ تردّد العبد لا علاقة له باتساع دائرة حبّ المولى بلحاظ المصاديق ، وإنّما له علاقة بإبراز المولى شدّة اهتمامه بغرضه إلى حدّ لا يرضى بفواته حتى في هذه الحالة ، وهذا هو روح جعل الاحتياط .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 56 | السيد كاظم الحسيني الحائري